(ثم السبيل يسّره) ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه – اختاره ابن جرير - , أو يكون المعنى: يسر له الأسباب الدينية و الدنيوية , و هداه السبيل و بيّنه و امتحنه بالأمر و النهي قال تعالى " إنا هديناه السبيل إمّا شاكرا و إمّا كفورا " و هذا رجحه ابن كثير.
(ثم أماته فأقبره) أي أكرمه بالدفن , فهيأ له من يقبره , و لم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض.
(ثم إذا شاء أنشره) أي بعثه بعد موته للجزاء.
(كلاّ لمّا يقض ما أمره) فيها قولان للعلماء: الأول: أن الإنسان لم يقض ما أمره الله به , فهو مُقَصِر في حق الله , لأنه مهما اجتهد في طاعة الله فهو مقصر في حق مولاه – قاله الشيخ عبد العظيم بدوي -. الثاني: أن الله تعالى لن يقوم بالبعث و النشور الآن حتى تنقضي المدة , و يفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى له أنه سيوجد منهم , و يخرج إلى الدنيا , و قد أمر به تعالى كونا و قدرا , فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق و أعادهم كما بدأهم. و هذا اختاره ابن كثير.
(فلينظر الإنسان إلى طعامه) أي فإن لم يشهد خلق ذاته , و عمي عن الآيات في نفسه , و أصر على جحوده توحيدَ ربه , فلينظر إلى طعامه و مأكله الذي هو أقرب الأشياء لديه. ماذا صنعنا في إحداثه و تهيئته لأن يكون غذاء صالحا لعله يذكر فيشكر. و كذلك فيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظاما بالية و ترابا متمزقا.
(إنا صببنا الماء صبّا) أنزلنا المطر من السماء على الأرض بكثرة.
(ثم شققنا الأرض شقّا) أي صدعناها بالنبات , حيث أسكنّا المطر فيها فدخل في تُخُومها و تخلّل في أجزاء الحبِّ المودَع فيها , فنبت و ارتفع و ظهر على وجه الأرض.
(فأنبتنا فيها) أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة , و الأقوات الشهية.
(حبّا) و هذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها , كالقمح و الشعير و الذرة.
(و عنبا و قضبا) العنب معروف , و القضب هو: كل ما أكل من النبات رطبا , كالقثاء و الخيار و نحوهما. و سمي قضبا لأنه يقضب , أي يقطع مرة بعد أخرى.
(و زيتونا و نخلا) الزيتون يؤكل حبا , و يدهن به زيتا , و يستصبح به. و نخلا يؤكل بلحا بسرا , و رطبا , و تمرا , و نيئا , و مطبوخا , و يعتصر منه رُبٌّ و خل.
(و حدائق غُلبا) أي بساتين ذوات الأشجار المثمرة , عليها حوائط تحيط بها , " غلبا " أي ضخمة عظيمة , و عظمها إما لاتساعها البالغ حد البصر , أو لغلظ أشجارها و تكاثفها و إلتفافها.
(و فاكهة و أبّا) و فاكهة أي مما يؤكل من ثمار الأشجار , من تين و عنب و خوخ و رمان , و غير ذلك. و الأبُّ هو المرعى الذي تأكله البهائم من العشب و النبات.
(متاعا لكم و لأنعامكم) أي عيشة لكم و لأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.
فمن نظر في هذه النعم , أوجب له ذلك شكر ربه , و بذل الجهد في الإنابة إليه , و الإقبال على طاعته , و التصديق بأخباره.
(فإذا جاءت الصّاخة) و هي صيحة القيامة و صوت زلزالها الهائل المصمّ للآذان , المزعج للأفئدة يومئذ , مما يرى الناس من الأهوال و شدة الحاجة لسالف الأعمال.
(يوم يفرّ المرء من أخيه , و أمّه و أبيه , و صاحبته و بنيه) أي: يراهم , و يفر منهم , و يبتعد عنهم , لأن الهول عظيم , و الخطب جليل , و لاشتغاله بنفسه , و علمه بأنهم لا ينفعونه. و معنى صاحبته أي زوجته.
(لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) أي قد أشغلته نفسه , و اهتم لفكاكها , و لم يكن له إلتفات إلى غيرها.
عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا " فقالت عائشة: يا رسول الله , فكيف بالعورات؟ فقال: " لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " صححه الإمام الألباني. و غرلا: أي غير مختونين.
(وجوه يومئذ مسفرة , ضاحكة مستبشرة) وجوه يومئذ مضيئة مشرقة , قد ظهر فيها السرور و البهجة , من ما عرفوا من نجاتهم , و فوزهم بالنعيم. و هذه الوجوه هي وجوه المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه , و قدموا من الخير و العمل الصالح ما ملأوا به صحفهم.
¥