ويمكن أن نصور هذا الأمر بجلاءٍ أكثرَ فنقول: لو بقي الإنسان طَوال عُمُرِه قائما يتعبد لله -وهو حق Q عليه – مع ضعفه ذلك ما أطاق هذا ولفتر ولربما كفر، فخلق Q له من مختلِف الملذات والمتع ما يُرَوِّحُ بها عن قلبه وجسده؛ ليجدد طاعته، ويستأنف عبادته.
ومن لطيف الاستدلال ما ظهر لي من مقارنة النبي e بين النكاح والصلاة في حديث أَنَسٍ t مرفوعا: حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ "
قال الحافظ في التلخيص: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: " إنَّمَا " ووافقه الألباني
فإن صح النظر فإنه يدل على ارتباط النكاح بالعبادة ارتباطَ الاستراحة بركعات القيام، لكن انتبهْ إلى دلالات الألفاظ. ثم قَارِنْ بين دلالتي قوله e " حُبِّب" و قوله"قُرَّة" فالأخيرة أعلى وأبلغ؛ فليس كل محبوب تقر به العين، وإنما تقر العين بأعلى محبوباتها؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ e كَانَ حُبُّهُ خالصا خَاصًّا بِمَوْلَاهُ. وأن المقصد من حبه للنكاح ما قد ذكرناه سالفا.
ويستأنس لذلك بما رواه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس وغيرُه عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: قَالَ: " مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ:
سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهِ،
وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ،
وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ،
وَسَاعَةٍ [يُخَلِّي] فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا، فِيمَا يَحِلُّ وَيُحْمَدُ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ، وَإِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ ... "
فلولا تلك الغاية وأمثالها من الغايات النبيلة لاستحال الزواج لعنةً؛ لمفهوم حديث أبي هريرة t مرفوعا: أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ
أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وأقره النووي والعراقي والألباني
ويقول شيخ الإسلام في مجموعه: فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَالضَّرَرُ حَاصِلٌ لَهُ إنْ وُجِدَ؛ أَوْ فُقِدَ؛ فَإِنْ فُقِدَ عُذِّبَ بِالْفِرَاقِ وَتَأَلَّمَ؛ وَإِنْ وُجِدَ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَلَمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ اللَّذَّةِ؛ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِقْرَاءِ؛ وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ مَضَرَّتَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ؛ فَصَارَتْ الْمَخْلُوقَاتُ وَبَالًا عَلَيْهِ إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ كَمَالٌ وَجَمَالٌ لِلْعَبْدِ.
إخواني،، هذه دعوة إلى تخليص النيات وتصحيح المسارات
? أخيرا أوصي عروسنا بوصية في صورة حديث يرويه لنا جابر t في حديث عائشة لما حاضت أيام الحج فلم تتمتع بعمرة مستقلة فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ، فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ " قَالَ جابر: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ eرَجُلًا سَهْلًا إِذَا هَوِيَتْ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ
أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له
وكذا أوصي زوجه المصون بوصية في صورة آية، يقول تعالى:
{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
فالزوج بطبيعته متحرك يتعب ويدأب طوال النهار وأنتِ خلقت ليسكن إليك فيستريحَ من عناء الدنيا، وقد هيئت لذلك، ليعاود الكرة مرة أخرى، فإذا لم تقومي بدور السكن ظل الرجل متحركا مترددا كلَّ وقته؛ مما يصيبه بالاضطراب وفِقدانِ الأعصاب فتختلَ حياتُكما ويفضيَ الأمر إلى المكروه.
ثم أوجه وصيتي ونصيحتي لي وللحاضرين جميعا، فأقول: اعلموا أن العَلاقة بين الرجل والمرأة علاقةٌ تكاملية لا تبادلية
فالرجل يكمل المرأة، والمرأة تكمله، أما أن يتبادلا الأدوارَ؛ تأخذ مكانه فتعملُ وتقودُ، ويأخذُ مكانها فيسمع لها وينقاد، فهذا أمر لا يعرفه الإسلام إلا ضرورة أو في حدود ضيقة ومحددة، وهذا ما أصاب الحياةَ الأسْرية اليومَ بالخلل والاضطراب؛ لخروجها عن النظام الذي اراده Q لها:
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
فالرجل أشبه بالسكين والمرأة أشبه بالعجين، فالسكين مهيأ للقطع، والعجين مهيأ للمضغ، فإذا مضغنا السكين انجرح العضو، وإذا قطعنا بالعجين بؤنا بالفشل.
أكتفي بهذا القدر وجزاكم الله خيرا
([1]) هنأه ودعا له