2 ـ يقول الله تعالى: (لكل وجهة هو موليها) ويقول عزَّ من قائل: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً)، وحينما فسَّر المفسِّرون هذه الآية وقفوا معها وقفات عديدة فقال ابن عباس عن قوله (شاكلته): ناحيته، وقاله الضحاك، وقال مجاهد: طبيعته، وعنه: حدته، وقال ابن زيد: على دينه، وقال الحسن و قتادة: نيته، وقال مقاتل: جبلته، وقال الفراء: على طريقته ومذهبه الذي جُبِلَ عليه، وصدق من قال:
كل امرئ يشبهه فعله ** ما يفعل المرء فهو أهله
وهذا يدل في واقع الأمر على طبائع البشر التي خلقها الله تعالى وكوَّنها فيهم، وجبلهم أو فطرهم عليها، فكل النفوس تميل إلى ما يناسبها وما يشاكلها من طبائع وارتياحات وخصائص تختلف بها عن الأخرى، ولله في خلقه شؤون!
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عما يعمله الناس أهو أمر قد قُضِيَ وفرغ منه أم أمر مستأنف، فقال بل أمر قد قضي وفرغ منه، فقالوا: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له " أخرجه البخاري ومسلم.
ومن جميل ما يذكر في هذا المقام أن عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد، كتب إلى الإمام مالك يحضه على الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: " إن الله عز وجل قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة، ونشرُ العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم له، والسلام" [7] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=4#_ftn7).
3 ـ بقدر ما يبلغ المرء من طاقات عقليَّة وفكرية وعلميَّة؛ فإنَّ جانب القصور سيبقى كامناً فيه، ولقد خلق الله الإنسان في كبد كما قال عزَّ وجل: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، وهذا التعب والنصب والعناء الذي يواجهه قد يؤثر على طبيعته العقلية أو الحياتيَّة فيزرع في قاع نفسيته بعضاً من أوجه القصور والنقص التي تظهر عليه في طبيعته النفسية.
4 ـ ولعلَّ من الحِكَمِ في ذلك أن يري الله تعالى أوجه النقص في البشر، فلو بقي الشخص على ما هو عليه من عزيمة وصلابة وقوَّة، لكان خديعة للناس، ولغلت الناس فيه، وأعطته ما لا ينبغي له، ولهذا نجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على عظيم منزلته عند ربِّه وفي قلوب المسلمين، يصاب بالنسيان صلَّى الله عليه وسلم فيقول: (إني بشر أنسى كما تنسون)، ويصاب صلَّى الله عليه وسلم بالسحر فيسحره اليهود مدَّة لا بأس بها.
5 ـ ليست أوجه القصور والنقص التي يقع فيها كثير من المبدعين؛ إلا لحكمة قد تكون ظاهرة أو خفيَّة قد جبل الله صاحبها عليها، لكي يعلم أنَّ الله الكامل في علاه، ويبقى الإنسان ناقصاً قاصراً عن إدراك جميع نواحي الكمال، فيبقى مفتقراً إلى الله تعالى بالدعاء والرجاء، ولا يغتر بنفسه ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول:" يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلَّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).
إذا لم يكن عون من الله للفتى * فأول ما يجني عليه اجتهاده
6 ـ ومن أوجه حِكَمِ الله تعالى في ذلك أنَّ المبدع أو العالم أو الشخص الكبير في أعين الكثير من الناس يعلم عن نفسه ذلك القصور، فلا يعطيها أكبر من حجمها، ولا يتكبَّر على عباد الله، بل يضع من قدر نفسه أمام نفسه، ويتواضع للخلق أمامهم، ويعلم أنَّ المعطي والنافع، والخافض والرافع هو الله تعالى، فيلجأ إليه، ويصبر على ما ابتلاه به من أوجه قصور قد يعرفها هو ولا يعرفها عنه كثير من الناس ويعلم أنَّ ذلك من باب الابتلاء فيصبر ويحتسب، ويوقن أنَّ ما أنعم الله به عليه من أوجه الإبداع والعلم والمكانة والمنزلة كذلك من أوجه الابتلاء، فليس له إلاَّ أن يتمثَّل قوله تعالى: (ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنَّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنَّ ربي غني كريم) سورة النمل: (40).
¥