ونلاحظ في حياتنا اليومية كذلك شخصيات آتاها الله من العلم والدهاء والذكاء ما يغبطه عليه فيها كثرة كاثرة من الناس، لكنَّنا نجد بعضهم لا يزال متعوِّداً على حركات وممارسات غريبة عجيبة، فهذا لا يستطيع أن يقرأ إلاَّ وقد وضع يده في فمه، أو يحك شعره، أو ينتف لحيته، وأورد في ذلك قصَّة طريفة فقد حُكي عن القاسم بن علي الحريري ـ صاحب المقامات ـ أنه كان شغوفاً بنتف لحيته؛ فوكِّل به شخص يمنعه من ذلك. فلما عرض المقامات على الوزير وأعجب الوزير بصنعته سأل عن حاجته فقال الحريري: (أرجوك يا سيدي ملِّكني لحيتي)!! فأجاب سيده وقال له: قد فعلت!. [6] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=4#_ftn6)

يريد ـ الحريري ـ أن يسمح له الوزير بنتف لحيته كما كان متعوِّداً على ذلك، لشدَّة شغفه بها، مع أنَّه كان أولى به وأجدر أن يطلب منه مثلا قصراً منيفاً أو مالاً وفيراً لكنَّه قد تعلَّق بهذا العمل فكان ما كان من ردِّه الغريب!

ونجد أناساً يصفون الدواء للآخرين ثمَّ يقعون في الداء، فهذا دايل كارنيجي صاحب كتاب: (دع القلق وابدأ الحياة) ويتداوله ـ مفيداً منه ـ كثير من المفكرين والإداريين، ولكنَّا نجده يموت منتحراً!!

وشخصيات كانوا مثار غباء مدقع لدى معلِّميهم حتَّى طُرِدُوا من المدرسة بسبب فشلهم دراسياً، لكنَّهم أبدعوا في مجالات أخرى وممَّا يشهد لذلك سيرة المكتشف: (أديسون) حيث طردته المدرسة من التعليم بسبب غباوته وبلادته، وحينما كان يحاول التفكير في صناعة الكهرباء كانت والدته تضحك منه وتعدُّه رجلاً فارغاً، ولكن مضت الأيام والسنون؛ فإذا به يُخرِجُ للعالم المصباح الكهربائي، بل ورد أنَّ اختراعاته فاقت أكثر من ألف اختراع!

ومن الغرائب كذلك ـ والغرائبُ جمَّة! ـ غباء بعض المبدعين في مواقف لا تحتاج إلاَّ للغباء وليس للذكاء، ويروى في ذلك قصَّة رمزيَّة، حيث يحكى أنَّ ثلاثة أشخاص حُكِمَ عليهم بالإعدام بالمقصلة، وهم عالم دين- ومحامي- وفيزيائي، وعند لحظة الإعدام تقدّم (عالم الدين) ووضعوا رأسه تحت المقصلة، وسألوه: هل هناك كلمة أخيرة توّد قولها؟

فقال (عالم الدين): لن ينقذني سوى الله تعالى من هذا الموقف العصيب!

وعند ذلك أنزلوا المقصلة، وعندما وصلت لرأس عالم الدين توقفت.

فتعجّب النّاس، وقالوا: أطلقوا سراح عالم الدين فقد قال الله كلمته. ونجا عالم الدين!

وجاء دور المحامي إلى المقصلة ..

فسألوه: هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟

فقال: ليس لدي علم بالله كاف كما لدى عالم الدين، ولكني أعرف أكثر أنَّ العدالة هي التي ستنقذني.

ونزلت المقصلة على رأس المحامي، وعندما وصلت لرأسه توقفت.

فتعجّب النّاس، وقالوا: أطلقوا سراح المحامي، فقد قالت العدالة كلمتها، ونجا المحامي!

وأخيرا جاء دور الفيزيائي ..

فسألوه: هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟

فقال: أنا لا أعرف الله كعالم الدين، ولا أعرف العدالة كالمحامي، ولكنّي أعرف أنّ هناك عقدة في حبل المقصلة تمنع المقصلة من النزول ...

فنظروا للمقصلة ووجدوا عقدة تمنع المقصلة من النزول، فأصلحوا العقدة وانزلوا المقصلة على رأس الفيزيائي وقطعت رأسه!

فصار هذا العالم الفيزيائي في خبر كان بعد أن فتح فاه بشيء كان من الأولى ألاَّ يقوله، بل كان الأولى في حق نفسه أن يقفل فمه عن الكلام على الأقل حتَّى وإن كان يعرف الحقيقة، فمن الذكاء أن يكون الشخص غبيّاً في بعض المواقف!!

· قراءة في دلائل الحكمة الربانيَّة في الطباع البشرية:

بعد هذا كله .... يسرح بي التفكير كثيراً في خصائص هؤلاء، وكثيراً ما أقنع نفسي أنَّ الله تعالى له في خلقه شؤون، وأنَّ في هذا العالم بدائع العجائب، وصنائع الغرائب، التي تدل على عظيم حكمة الله تعالى في خليقته، ويمكن أن نخرج من جميع ما ذكرته من مواقف وقصص بعدَّة فوائد وعبر ومنها:

1 ـ كلًُّ ما ذكرته وما أعرضت عن ذكره كثير كذلك، لا يدل إلاَّ على بديع صنع الله في الخلق، فلا كامل في هذا الوجود إلاَّ الله، ولا مهيمن ولا مسيطر ولا قوي ولا عزيز تكتمل له هذه الأسماء والصفات إلاَّ الله تعالى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015