أما تشكيك فى صحة روايات نقلت مباشرة عن ثقة هو المراكشى، ونقلت عن غيره واستفاضت بشان معارضة المنصور لرسوم المهدى فأراك متحاملا تحاملا بينا، وهذا ليس بحمود، والله المستعان.
وإن كان لديك ما تستطيع التشكيك به بشأن هذه الروايات فاطرحه اكون لك من الشاكرين.
1 - هذه رواية لشيء خاص بين رجلين، في ما هو مخالف لظاهر الحال، ولم يشتهر ولم يتواتر في زمن القصة، ولم يكن مثلا على المنبر كحادثة المأمون. وما كان من هذا القبيل فلا بد فيه من السند الصحيح، بخلاف غيره مما تقبل فيه الاستفاضة التاريخية.
فأنا لا أحتاج إلى السند الصحيح لأجزم بأن الحجاج كان ظالما، ولكنني أحتاج إليه مثلا في خبر ينقله شخص واحد عن الحجاج أنه قال له في جلسة خاصة: (أنا أحب ابن الزبير, وأبغض خلفاء بني أمية)!! لأن هذا المخالف للظاهر يحتاج إلى دليل قوي يرتفع به الأصل المستصحب.
2 - المراكشي ليس هو راوي الخبر، وإنما ينقله عن غيره. وهو (أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري)، كذا في المعجب، ونعته بالشيخ الصالح. ولم أجد له ترجمة في ما بين يدي من الكتب. لكن وجدت صاحب (التشوف إلى رجال التصوف!) يذكر عرضا (أبا العباس أحمد بن إبراهيم المروي)، فلعله هو. وفي أحد الموضعين من التشوف: ( .. سمعت أبا العباس أحمد بن إبراهيم المروي يقول: رأيت عمر بن عمران وهو يسير تحت سحابة تظله). فمن له علم بترجمة الرجل أو توثيقه فليفدنا بذلك.
3 - المراكشي نفسه – الذي قلت عنه: (ثقة)، ليس في ترجمته من أعلام التعارجي (8/ 509) الشيء الكثير، ولا فيها التصريح بتوثيقه من إمام معتبر، إنما فيها ذكر ترجمته لنفسه، وفيها الثناء على كتابه المعجب لا غير.
4 - بعد هذا كله، أقول: لم أكذب الرواية، وإنما قلت – إن صحت -، لأن احتمال عدم صحتها بعد الذي تقدم بيانه وارد جدا.
فهل ترى – ويرى القراء- هذا تحاملا، فضلا عن أن يكون بينا، وغير محمود؟
وبخصوص قولك بان المهدى أدخل العديد من العقائد الباطلة إلى المغرب فقبل أن أرد على ذلك فليتك ترد على ابن خلدون الذى ذكر ان المهدى لم تعرف له إلا بدعة العصمة، وأظن أن كلام ابن خلدون واضح وجلى، فضلا عن علو كعب قائله وإحاطته بما كتب عن ابن تومرت سواء من تلميذه البيذق أو غيره ن وما دفاعه عن ابن تومرت منا ببعيد.
لما ذكرتَ ابن خلدون في مشاركتك الأولى، اشتممت من ذلك أنك لا ترى الأشعرية بدعة في الاعتقاد. ولأنك لم تصرح اكتفيتُ بأن قلت: (مفهوم البدعة يختلف باختلاف حال المتكلم، فالأشعري لا يرى التأويل بدعة الخ).
والآن أقول:
ابن خلدون معتبر في فنه الذي هو أصول التاريخ وفلسفة الاجتماع ونحو ذلك.
لكن ليس ممن يؤخذ بقوله في مثل هذه الأبحاث العقدية، فقد كان أشعريا متصوفا، صرح في مقدمته بذلك تصريحا بينا، فقال عن الأشعرية (نقلا من الشاملة وقد تكون فيه بعض التحريفات اليسيرة): (وحملهم على هذا التأويل، وإن كان مخالفاً لمذهب السلف في التفويض أن جماعة من أتباع السلف وهم المحدثون والمتأخرون من الحنابلة ارتكبوا في محمل هذه الصفات فحملوها على صفات ثابتة لله تعالى، مجهولة الكيفية. فيقولون في: " استوى على العرش " تثبت له استواء، بحيث مدلول اللفظة، فراراً من تعطيله. ولا نقول بكيفيته فراراً من القول بالتشبيه الذي تنفيه آيات السلوب، من قوله: " ليس كمثله شيء "، " سبحان الله عما يصفون "، " تعالى الله عما يقول الظالمون "، " لم يلد ولم يولد "، ولا يعلمون مع ذلك أنهم ولجوا من باب التشبيه في قولهم بإثبات استواء، والاستواء عند أهل اللغة إنما موضوعه الاستقرار والتمكن، وهو جسماني. وأما التعديل الذي يشنعون بإلزامه، وهو تعطيل اللفظ، فلا محذور فيه. وإنما المحذور في تعطيل الآلة. وكذلك يشنعون بإلزام التكليف بما لا يطاق، وهو تمويه. لأن التشابه لم يقع في التكاليف. ثم يدعون أن هذا مذهب السلف، وحاشا لله من ذلك. وإنما مذهب السلف ما قررناه أولاً من تفويض المراد بها إلى الله، والسكوت عن فهمها. وقد يحتجون لإثبات الاستواء لله بقول مالك: " إن الاستواء معلوم الثبوت لله " وحاشاه من ذلك، لأنه يعلم مدلول الاستواء. وإنما أراد أن الاستواء معلوم من اللغة، وهو الجسماني، وكيفيته أي حقيقته. لأن حقائق الصفات كلها كيفيات، وهي مجهولة الثبوت لله).
¥