أخى الحبيب إن جل كتب التاريخ قديمها وحديثا لا تخلو من خطا حتى ولو فى النقل، وما راينا كتابا استقام لصاحبه اصلا فى هذا الميدان، ومن ثم الحكم على كتاب السلاوى بانه معتمد فيه مجازفة ايما مجازفة، وإن شئت فاقرا الكتاب من اوله لآخره وانظر ما فيه من أخطاء بل قل من أوهام.

بالطبع لا اقلل من شأن هذا العلم الفذ وجهده فى كتابه الذى حوى مميزات عدة، ولكن كلمة معتمد كلمة لا يمكن قبولها فى هذا الموطن.

ثم يا اخى الحبيب من أوليات البحث العلمى اعتماد المتقدم وتغليبه على المتأخر، وهذا ما هالنى فواقعة المأمون بإلغاء رسوم المهدى ذكرها جل من أرج للدولة الموحدية من معاصرى الدولة وممن جاء بعدهم، ومع ذلك تركت كل هذا وركنت للسلاوى ولا أدرى ما السبب حقيقة.

أما كتاب الاستقصا، فلا أحب أن أطيل فيه، وذلك للأسباب التالية:

- لأنه نقاش خارج الموضوع.

- ولأنني لم أقل (كل ما فيه معتمد) كما نقلتم عني، وإنما قلت (كتابه معتمد). وبين التعبيرين فرق لا يعزب عن أذهان (المتخصصين) إن شاء الله.

- ولأنني أول من نبه هنا على ضرورة الاعتماد على المصادر الأصلية.

- ولأنك لا تنكر صحة القصة التي استدللتُ بها عن المأمون، وإنما تنكر عدولي عن الكتب الأصلية إلى كتاب متأخر. وما دمت لا تنكر القصة، فلا فائدة من التطويل في هذا! وقد كان يمكن أن أقول: (في القصة المعروفة كيت وكيت) ولا أعزوها أصلا لا للاستقصا ولا لغيره، لكنني أردت أن أرشد الأخ العمري وغيره من أعضاء المجلس إلى كتاب مشهور متداول يمكنه أن يراجع القصة فيه.

وأبادرك القول فاقول: لو انك رجعت لغير السلاوى لعلمت أن الصفدى وغيره ذكروا ان من أسباب توجه المأمون للقضاء على رسوم المهدى تأثره بوالده الذى كان يدعو الناس إلى المنهج الظاهرى الأصيل، وإلى حفظ السنن.

النقاش في جزئية محددة واضحة، هي ما يلي:

(هل غير المنصور رسوم ابن تومرت البدعية أم أن المأمون هو أول من فعل؟)

أما هل تأثر المأمون بفكر أبيه فهذا خارج محل النزاع.

أما صياغتك لروايات المراكشى فى المعجب بطريقة تقلل وتهمش دور المنصور فى معارضة رسوم المهدى فهذا بحق لى للنصوص، وتأويل لها بعيد عن الحقائق، ولقد ارتكبت بفعلك هذا ما انتقدت عليه المعاصرين من اصحاب الأطروحات الجامعية الذين منهم قطعا رجال ندين الله بعلمهم وفهمهم وتقواهم.

لخصت الروايات:

- لأنها طويلة، ولست من محبي التطويل في المشاركات.

- لأنك أول من أحال على المعجب، فأنت إذن مطلع على تلك الروايات، فما فائدة نقلها؟

ومع ذلك، فهاأنذا أنقلها بالحرف هنا، مع تعليقي عليها:

الرواية الأولى:

(وخرج أمير المؤمنين أبو يوسف إلى تينمل للزيارة ومعه هؤلاء الغز المذكورون فقعدوا تحت شجرة خروب مقابلة للمسجد وقد كان ابن تومرت قال: لأصحابه فيما قال لهم ووعدهم به ليبصرن منكم من طالت حياته أمراء أهل مصر مستظلين بهذه الشجرة قاعدين تحتها فلما جلس الغز على الصفة المتقدمة تحتها كان ذلك اليوم في تينمل يوماً عظيما اتصل التكبير من كل جهة وجاء النساء يولولن ويضربن بالدفوف ويقلن ما معناه بلسانهم صدق مولانا المهدي نشهد أنه الإمام حقا!.

فأخبرني من رأى أمير المؤمنين أبا يوسف حين رأى ذلك يتبسم استخفافاً لعقولهن لأنه لا يرى شيئاً من هذا كله وكان لا يرى رأيهم في ابن تومرت فالله أعلم.)

تعليقي:

1 - المنصور يخرج إلى تينمل (حيث قبر ابن تومرت) للزيارة: هل هذا حال من يريد تغيير رسوم المهدي؟ وهل زيارة قبر ابن تومرت من صحيح الكتاب والسنة الذي أسس المنصور دولته عليه؟

2 - النساء يصدقن (المهدي) في ادعاء الغيب، ويصدحن بكونه الإمام حقا، أمام (أمير المؤمنين) فيكتفي بالابتسام.

3 - المنصور يبتسم، والراوي يستنتج من ذلك أنه فعله استخفافا بعقولهن. ما أصرح هذه الرواية!

4 - غاية ما تدل عليه القصة – بعد تجاوز ما سبق – أن المنصور كان لا يعتقد إمامة المهدي في نفسه. وهذا خارج عن محل النزاع، الذي هو: (هل غيّر شيئا أم لم يغير؟)

الرواية الثانية:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015