ـ[محمد بن عبدالله]ــــــــ[19 - صلى الله عليه وسلمug-2007, مساء 06:14]ـ
وقد بين بعضُ العلماء والمشايخ من أهل العلم بالحديث في هذا العصر عدم اشتراط المنافاة في رد زيادات الثقات، ومن ذلك:
سئل الشيخ مقبل بن هادي الوادعي - رحمه الله - في المقترح (س155) حول تقسيم ابن الصلاح لزيادة الثقة، فقال: «هم يشترطون في رد الزيادة أن تكون منافية، لكن الذي يظهر أن الزيادة نفسها - كون أنها زيادة - تنافي، من الأمثلة على هذا: الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي موسى، وفيه زيادة في بيان كيفية الصلاة: " إذا قرأ فأنصتوا "، فالإمام الدارقطني ينتقد هذه الزيادة، ويقول: إنه تفرد بها سليمان التيمي، ويوافقه النووي - رحمه الله تعالى - على هذا، ويقول: إن الحفاظ - إشارة إلى جمع، إضافة إلى الدارقطني - ضعفوا هذه الزيادة. فالذي يظهر أن الزيادة بمجردها تعتبر منافاة».
ونقل الأخ الكريم أبو حمزة الأزهري السلفي، قال: سألت الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف: هل يشترط ركن المخالفة للحكم على الحديث بالشذوذ؟ أعني: أن البعض يشترط عدم إمكان الجمع قبل الحكم بالشذوذ، وإلا حكم بأن ذلك من زيادة الثقة، ومثلت للشيخ بصنيع الشيخ الألباني - رحمه الله - في حديث زائدة بن قدامة في صفة التشهد.
فأجاب الشيخ: «لا اعتبار بالمنافاة, بل العبرة بتحرير كل لفظة على حدة».
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showpost.php?p=253285&postcount=9
وقال الشيخ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل المصري في إتحاف النبيل (1/ 111 - 113): «فإن قيل: إن بعض طلبة العلم يقول: الزيادة تقبل إلا أن تكون منافية لأصل الحديث، فإذا كانت منافية لأصل ما سيقت له فحين ذاك لا تقبل، أما إذا أمكن الجمع بينهما على طريقة التخصيص مع العموم أو التقييد مع المطلق= فتقبل.
قلت: وهذا قول للحافظ ابن حجر، وله قول آخر يردها لمجرد التفرد.
والذي ينظر في كتب العلل والكتب التي اعتنت بهذا الشأن، يجد أن العلماء يعلّون اللفظة الزائدة في الحديث وإن كان معناها لا ينافي الأصل الذي سيقت له، فمثلاً: حديث: " صدقة الفطر صاع من بر، وصاع من تمر ... " إلى آخر الحديث، وفيه: " على كل نفس حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين " أخرجه البخاري (1503) ومسلم (984). فزيادة: " من المسلمين " تفرد بها مالك - رحمه الله تعالى -، والعلماء أنكروا على مالك هذه الزيادة، مع أن هذه الزيادة لا تنافي الأصل الذي سيقت له.
والعلماء الذين دافعوا عن مالك ما قالوا: إن هذه الزيادة لا تنافي الأصل، وإنما قالوا: إن مالكًا توبع عليها، فأثبتوا بالمتابعة هذه الزيادة.
وأوضح من ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم في كيفية الصلاة، والنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقول: " إذا قرأ فأنصتوا "، أعلّ الحفاظ هذه الكلمة بالرغم من أنها تناسب وتلائم الآية: ? وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ?، ولا تنافي الأصل الذي سيقت له، وهناك من ينفي شذوذها أصلاً.
وأيضًا زيادة أخرى في حديثٍ أخرجه مسلم - رحمه الله - في ولوغ الكلب أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن أو إحداهن أو الثامنة بالتراب ".
وفي بعض الروايات زيادة في مسلم: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه "، والعلماء ضعفوا كلمة: " فليرقه " هذه، مع أنه لا يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب إلا بإراقة ما فيه.
والذي يقرأ كتب العلل ويتتبع هذه المسألة يجد أن العلماء يضعفون الزيادة لمجرد مخالفة راويها من هو أوثق منه، سواء في العدد أو في الوصف والمنزلة ... » إلى آخر كلام الشيخ أبي الحسن، وانظر (2/ 189) من كتابه، ولم أطلع عليه إلا بعد انتهائي من كتابة هذا البحث، والحمد لله رب العالمين.
ويُنظر لزامًا كتابه المذكور (2/ 164 - 189) ففيه تفصيل طويل، وبيان جيد لمنهج الأئمة في زيادات الثقات.
خاتمة:
وبعد،
فقد اتضح لكل ناظر أن الأئمة لم يكونوا يقبلون زيادة الثقة في المتن لعدم منافاتها معنى أصل الحديث، أو يشترطون المنافاة في ردها:
- حيث سردت أمثلة عديدة لزيادات ليس فيها وجه منافاة لأصل الحديث، وردها الأئمة مع ذلك، مع ثقة أصحابها وحفظهم، بل بعضهم في أعلى درجات الحفظ، والأمثلة أكثر مما ذُكر هنا، والمراد إبراز بعض النماذج،
- ومن ذكر من الأئمة ردَّ الزيادة نظر إلى تفرد راويها بذكرها، وترك الآخرين لها، ولم ينظر إلى المنافاة،
- ونسب النووي عدم اشتراط المنافاة إلى أكثر المحدثين، وبين ابن رجب أن الإمام أحمد لم ينظر إلى هذا الشرط،
- ومن اشترط المنافاة في رد زيادات المتون فإنه لا يشترطها في رد زيادات الأسانيد، وكلاهما صورة واحدة يجب أن يكون الحكم فيها واحدًا،
- وشرط المنافاة قليل الأثر أو معدومه عمليًّا، فتطبيقاته نادرة أو قليلة جدًّا، وإن وجدت الزيادة المنافية؛ فالترجيح لازم بدون اشتراط أصلاً،
- واشتراط المنافاة قد يعود بالحكم على زيادة الثقة إلى القبول المطلق، وهذا ما ينفيه الأئمة أهل الحديث متقدمهم ومتأخرهم.
وهذا آخر ما كتبته في هذه المسألة، وقد أُخذ عليَّ أني أكثرتُ من الأمثلة، والأمر من الوضوح بما لا يحتاج معه إلى ذلك، ولكن لعل في الزيادة خير.
والله أعلم وأحكم، وهو الموفق للصواب.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم عصر الأحد السادس من شعبان عام ثمانية وعشرين وأربعمئة وألف.
¥