وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في رسالته المتعلقة بالبسملة: " الشاذ اصطلاحًا فيه اختلاف كثير، والذي عليه الشافعي والمحققون: أن ما خالف فيه راوٍ ثقة بزيادة أو نقص في سند أو متن ثقاتٍ لا يمكن الجمع بينهما مع اتحاد المروي عنه " انتهى.
وقال الشيخ عمر البيقوني في منظومته في مصطلح أهل الحديث:
وما يخالف ثقة فيه الملا * * * فالشاذ والمقلوب قسمان تلا
قال الشارح الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني: " (وما يخالف ثقة فيه) بزيادة أو نقص في السند أو المتن (الملا) أي: الجماعة الثقات فيما رووه، وتعذر الجمع بينهما، (فالشاذ) كما قاله الشافعي وجماعة من أهل الحجاز، وهو المعتمد كما صرح به في شرح النخبة؛ لأن العدد أولى بالحفظ من الواحد، وعليه فما خالف الثقة فيه الواحد الأحفظ شاذ، وفي كلام ابن الصلاح وغيره ما يُفهِمه " انتهى.
وقال العلامة المجد صاحب القاموس في منظومته في أصول الحديث:
ثم الذي ينعت بالشذوذ * * * كل حديث مفرد مجذوذ
خالف فيه الناس ما رواه * * * لأن روى ما لا يروى سواه
قال الشيخ سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل في شرحه المسمى بالمنهل الروي: " الشاذ لغةً: المنفرد، يقال: شذ يشذ شذوذًا إذا انفرد، وأما إصطلاحًا ففيه اختلاف كثير، ومقتضى ما ذكره الناظم الإشارة إلى قولين: الأول: ما ذهب إليه الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: أنه ما رواه الثقة مخالفًا لرواية الناس - أي: الثقات - وإن كانوا دونه في الحفظ والإتقان، وذلك لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وألحق ابن الصلاح بالثقات الثقة الأحفظ، وسواء كانت المخالفة بزيادة أو نقص في سند أو متن إن كانت لا يمكن الجمع بين الطرفين فيهما مع اتحاد المروي " انتهى».
ونقوله هذه كلها تدل على أن المتأخرين يشترطون المنافاة لرد زيادة الثقة، وذلك يخالف منهج أئمة النقد المتقدمين - كما بان في هذا الموضوع -.
قال المباركفوري:
«فإن قلت: فلم لم يقبل المحدثون المتقدمون كالشافعي وأحمد بن حنبل وابن معين والبخاري وأبي داود وأبي حاتم وأبي علي النيسابوري والحاكم والدارقطني وغيرهم= زيادة: " ثم لا يعود " في حديث ابن مسعود، وزيادة " فصاعدًا " في حديث عبادة، وزيادة " وإذا قرأ فأنصتوا " في حديث أبي هريرة وأبي موسى الأشعري، ولم يجعلوها محفوظة، مع أن هذه الزيادات غير منافية لأصل الحديث؟
قلت: إنما لم يقبلوا هذه الزيادات لأنه قد وضح لهم دلائل على أنها وهم من بعض الرواة كما بينوه وأوضحوه، لا لمجرد أن راويها قد تفرد بها كما زعم النيموي.
وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام لئلا يغتر القاصرون بما حقق النيموي في زعمه الفاسد».
وقد سبقت الإجابة على قوله الأخير هذا، بأن من أوضح الدلائل على وقوع الوهم من بعض الرواة: أن يخالفه غيره من الرواة؛ أكثر منه أو أوثق ... ، فيتركوا هذه الزيادة، وينفرد هو بذكرها.
وقد نصّ أبو حاتم الرازي على أن العلة في قوله: " ثم لا يعود ": أن غير الثوري لم يذكره، وذكره هو وحده، قال - كما في العلل (1/ 96) -: «هذا خطأ، يُقال: وهم فيه الثوري، وروى هذا الحديث عن عاصم جماعة، فقالوا كلهم: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح فرفع يديه، ثم ركع فطبق وجعلها بين ركبتيه)، ولم يقل أحد ما رواه الثوري».
كما أعلّ البخاري زيادة: " فصاعدًا " في حديث عبادة= بقوله - في جزء القراءة (ص36، 37) -: «وعامة الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: " فصاعدًا "، مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب»، وأعلّها ابن حبان بقوله - كما في الإحسان (5/ 87) -: «تفرد به معمر عن الزهري دون أصحابه».
وأعلّ مسلم بن الحجاج زيادة: " وإذا قرأ فأنصتوا " في حديث أبي موسى الأشعري بقوله - كما في صحيحه (ح404) -: «وفي حديث جرير عن سليمان التيمي عن قتادة من الزيادة: " وإذا قرأ فأنصتوا "، وليس في حديث أحد منهم»، وأعلّها أبو داود السجستاني بقوله - كما في سننه (ح973) -: «وقوله: " فأنصتوا " ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث»، وأعلّها أبو علي النيسابوري الحافظ بقوله - كما في سنن البيهقي (2/ 156) -: «خالف جرير عن التيمي أصحاب قتادة كلهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائي وهمام وسعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد وأبي عوانة والحجاج بن الحجاج ومن تابعهم على روايتهم» قال البيهقي: يعني دون هذه اللفظة، وأعلّها الدارقطني بقوله - في السنن (1/ 330) -: «وكذلك رواه سفيان الثوري عن سليمان التيمي، ورواه هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة كلهم عن قتادة، فلم يقل أحد منهم: " وإذا قرأ فأنصتوا "، وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه»، وقال أيضًا - كما في العلل (7/ 254) -: «والصواب من ذلك: ما رواه سعيد وهشام ومن تابعهما عن قتادة وسليمان التيمي من الثقات، وقد زاد عليهم قوله: " وإذا قرأ فأنصتوا "، ولعله شُبه عليه؛ لكثرة من خالفه من الثقات».
وأعلّها النسائي في حديث أبي هريرة بقوله - كما في السنن الكبرى (1/ 320) -: «لا نعلم أن أحدًا تابع بن عجلان على قوله: " وإذا قرأ فأنصتوا "»، ولذا قال البيهقي - كما في السنن (2/ 156) -: «وهو وهم من ابن عجلان».
فهذه نصوص بعض الحفاظ في الزيادات التي ذكرها المباركفوري، ويظهر بجلاءٍ شديدٍ فيها أنهم أعلّوا الزيادات بسبب تفرد بعض الثقات بها، دون غيرهم من الثقات - الأكثر أو الأوثق -. وهذا يدل على خطأ ما زعمه المباركفوري من أنهم لم يعلوا تلك الزيادات " لمجرد أن راويها قد تفرد بها ".
وهو يبين أن ما قاله النيموي صواب، والله تعالى أعلم.
يتبع - بإذن الله -.
¥