وأَمْرانِ سِيَّانِ عَلى لِدَةٍ واحِدَةٍ أنْ تَكونَ القِصَّةُ صحيحَةً في نَفْسِ الأمرِ أم رَوَّجَ الناسُ لها تَفَكُّهاً وتَنَدُّراً، فذلك مِن الأُمَّةِ نَفْثَةُ مَصْدُورٍ وصَرْخَةُ مَكْلُومٍ، عُبِّرَ عَنْها في صُورَةِ الدُّعابَةِ؛ وهو الشُّعُورُ الجَمْعِيُّ الذي لا يَقْبَلُ التحريفَ والتبْديلَ.
كُلُّنا حَمَامِيزُ الله!!.
كذلكَ ما يُحْكى في الطرائِفِ مَثَلاً أنّ رَجُلاً صَحبَ وَلَداً لهُ إلى السوقِ، فلَمّا كانا هُناكَ سَمِعا رَجُلاً يُنادِي صَبِياً يَقولُ: يا عَبْدَ الله!؛ فأجابَهُ الصبِيُّ بِقَوْلِهِ: يا عَمُّ؛ كُلُّنا عَبِيدُ الله فأيَّ عَبْدٍ تُريدُ؟!، فقالَ الرجلُ مُنَبِّهاً ولَدَهُ ومُعَلِّما: انظُرْ يا بُنَيَّ إلى ما يَقُولُ الغُلامُ المُباركُ!.
فَلَما كانا مِنَ اليَوْمِ التالي وهما في ناحِيَةٍ مِنَ السوقِ سَمِعَ الصبِيُّ رَجُلاً يُناديهِ؛ يا حَمْزَةُ!؛ فبادَرَهُ بِقَوْلِهِ: يا عَمُّ كُلُّنا
حَمامِيزُ اللهِ؛ فأيَّ حَمْزَةٍ تُريدُ؟!!، فقالَ أبُوهُ: أُسْكُتْ يا مَنْ أَخْمَدَ اللهُ بهِ ذِكْرَ أبِيهِ!.
فتأَمَّلْ فيما انْطَوَتْ عَليهِ هذه الحِكايَةُ مِنَ:
1 - الإشارَةِ إلى النِّعْمَةِ بالولد ...
2 - وإلى التَّفاوُتِ في مَراتِبِ هذه النِّعْمَةِ ...
3 - وأنَّ العُقُولَ مَراتِبٌ مُتَفاوِتَةٌ أَيْضاً ...
3 - وأَنَّ الأَخْلاقَ مِنها ما هُوَ جِبِلِّيٌّ فِطْرِيُّ؛ ومِنْها ما هُوَ كَسْبِيٌّ تَحْصِيلِيٌّ كما هُوَ مَذهَبُ المُحَقِّقِينَ مِنَ العُلَماء، وخِلافاً لِما قِيلَ مِنْ أنَها كَسْبِيَّةٌ فَقط كما ذهبَ إليه جَمْعٌ منَ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ مِنْ أمْثالِ الفارابِيِّ وابْنِ سينا؛ ومِنَ المُتأخّرين مِنْ أمثالِ (مانْدِفِي؛ ت:1733)؛ و (تُومَاسْ هويز؛ ت:1796).
4 - وأنَّ الوَلدَ الصالحَ الفَطِنَ مِنْ أعظم نِعْمِ الله على العَبد؛ وفي تَرْجَمَةِ الإمامِ الكَبيرِ ابنِ الجَزَريِّ الشافِعِيِّ مِنْ طَبقاتِ الحُفاظِ للسيوطي (ص:467) أنَّ والِدَ الجَزريِّ كانَ تاجِراً ومَكثَ أرْبَعينَ سَنَةً لا يُولَدُ له؛ فلما حجَّ شربَ من ماءِ زَمْزَمَ ونَوَى حُصُولَ الوَلدِ؛ فأعْطاهُ الله ما تَمَناهُ في هذا الابنِ السعيد!.
5 - وما جَعَلَ الله تَعَالَى في الوالِدِ مِن المَحَبَّةِ لِوَلدِهِ والشفقَةِ عليهِ حَتَّى إنَّهُ يُحِبُّ أنْ يَكَونَ فَوقَهُ وأَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَةً وفِطْنَةً وذَكاءً؛ ولا يُحبُّ ذلكَ لأحَدٍ سِواهُ!؛ مِمَّا يَدُلُّكَ على سِرٍّ مِنْ أَسرارِ الحياةِ وبَقاءِ النوعِ الإنسانيِّ فيها إلى ما شاءَ الله تعالى.
حكايَةُ الوزيرِ والخَدَمِ:
ومِمّا رُوِيَ من الطرائِفِ الحِكَمِيَّةِ أنّ سُلَيمانَ بنَ عبدِ المَلكِ الخليفَةَ الأُمَوِيَّ كَتَبَ إلى أحَدِ وُلاَتِهِ يُقالُ لهُ ابْنُ حَزم يسْأَلُهُ عَنْ عَددِ منْ عِنْدَهُ من الخَدَمِ، فأَمْلَى على كاتِبِهِ يَقُولُ له: أَحْصِ مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الخَدَمِ، بالحاءِ المُهْمَلَةِ سادِسَةِ الحروفِ؛ غيرَ أن الكاتِبَ أَخْطأَ فكتَبَها بالخاءِ المُعْجَمَةِ (أخْصِ!)؛ مِنَ الخِصاءِ الذي هُوَ رَضُّ الخُصيَتَينِ لِتَذْهبَ شَهوةُ النكاح؛ ويقالُ له في العَربِيَّةِ: الثَّرْدُ؛ أيضاً!، فما كانَ مِنَ الوالِي إلا أنْ جَمَعَ العَبيدَ وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ؛ فجَبَّ مَذاكيرَهُم أَجْمَعين!!، وكانَ الدلاّلُ واحِداً ممَّنْ خُصِيَ!.
فَتَعَلَّمْ مِنْ هَذا - الذي يَذكُرُهُ المُحَدِّثُونَ مِثالاً لمَساوئِ التصْحيفِ سِوى الفُكاهَةِ - أمانَةَ الكَلَمَةِ وأثَرَها في الأُمَّةِ والمُجْتَمعِ!، وتَذكرْ بأنّ ما فعلَهُ الوالِي ظُلْمٌ وعُدْوانٌ لا يَجوزُ حتى وإن أمَرَ به الخليفة؛ لأنّهُ لا طاعَةَ لمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالق، وقد قيلَ في قوله تعالى: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ}: المُرادُ به الخِصاءُ، وهكذا قيلَ فيما رُوِيَ عنِ النبيِّ صلى الله عليهِ وسلّم أنه (نَهى عن صَبْرِ ذي الروح).
أمَّا أبو الغصنِ مَلكُ الدعاباتِ وسلطانُ الفُكاهات:
وما أدْراكَ ما أبو الغُصْنِ؟!.
- فَلَمْ تَعْرْفه الأمَمُ العَربِيَّةُ وَحْدَها!.
- بل شاعَ ذِكْرُهُ في كلِّ عَصْرٍ ومِصْر، وجَرى خَبَرُهُ على الألْسِنَةِ بِلا فَرْقٍ بينَ ساكِنِ خَيْمَةٍ وقَطينِ قَصْر!.
¥