وقَبْلَ هذا وذاك فَهِيَ تَعْبِيرٌ عَمَّا تُكِنُّهُ ضَمائرُ الأُمَمِ والشعُوبِ مِنَ المَشاعِرِ والأَحَاسيسِ؛ وما تَصُوغُهُ في دَوَاخِلِها مِنَ المَبادئِ والأفكارِ، على وَجْهِ يَتَجَرَّدُ عن الزّمانِ والمَكان؛ بِعِيداً عَن سِحْرِ الدِّعايَةِ وبَريقِ التلفيقِ والتّزْوير.

وشأْنُها في ذلك شأنُ ما يَرُوجُ في الأُمَمِ مِن الرُّؤى المَنامِيَّةِ والأقاصيصِ والأمْثالِ؛ حتى قيل: ألْسِنَةُ الخَلْقِ أقلامُ الحقِّ!.

والحقُّ أن كثيراً منها يَجْري مَجرى الأمْثالِ التي قِيلَ فيها: هيَ حِكْمَةُ الشعبِ وتاريخهُ وَوِجْدانُه؛ وهي الوجْهُ الصادقُ لِحياةِ الأُمم والشعوبِ، تَحْوِي خُلاصَةَ التجارِبِ العَميقَةِ التي تَمَرّسَتْ بها خِلالَ تاريخِها، وهِيَ خُلاصَةُ مُعاناتِها وشقائها؛ وسَعادَتِها وغَضَبِها ورِضاها.

ويُقالُ - على سَبيلِ الإحاطَةِ بأطرافِ ما نَكْتُبُ فيه – إِنَّ (الكُومِيدْيا) التي نَشأَتْ في (أثينا اليونان) في القَرْنِ الخامِسِ قَبْلَ الميلادِ وُجِدَتْ للتّعْبِيرِ عَنْ مَكْنُوناتِ الضمائرِ كما ذكَرْنا في الدعَابات؛ وكانَتْ تَدُورُ في بدَاياتِها حَوْلَ معاني الحياةِ والمُعْضِلاتِ المُتَعَلِّقَةِ بالوجُودِ الإنساني، ثم انتقلتْ إلى (الكُوميدْيا) الجديدةِ التي تَعْتَمِدُ النقْدَ القاسِيَ الصريحَ في القرنِ الرابعِ قَبْلَ المِيلاد، ثم إلى (الكوميديا) الصامِتَةِ في القرنِ الثانِي قَبْلَ الميلاد، وفي العصُورِ الأورُوبِيَّةِ الوسْطى أُدْخِلَتْ فَواصِلُ هَزَلِيَّةٌ إلى القصصِ التوراتِيَّةِ مِمّا شَوّشَ على كثيرٍ مِنَ المَفاهيمِ في الديانَةِ النصرانِيَّة!، إلى أن جاء ( رضي الله عنهen jonson) في القَرْنَينِ السادس عَشرَ والسابعِ عَشرَ - وكان مُعاصِراً ل (شَكْسْبير) - وقدّمَ نَظَريَّةً حَوْلَها مُشْتَقَّةً مِنْ عِلْمِ وَظائِف الأعْضاء الإنسانيِّ وعِلْمِ النفْسِ؛ اسْتَنَدَ فِيها إِلَى ما كانَ سائِداً في وَقْتِهِ مِنْ أَنَّ الجِسْمَ يَحْوي سَوائِلَ أَرْبَعَةً يَتَحَكَّمُ تَوازُنُها ونِسْبَتُها في الأدَاءِ المِثالِيِّ للجِسْمِ والعَقْلِ فِي الإنْسانِ، وفي القَرْنِ الثامِنِ عَشر نَشأتْ في بريطانيا (كومِيديا الأساليب) وأَصْبَحَتْ باباً لِنَقْدِ كَثِيرٍ مِنَ المَظاهِرِ المَرْفُوضَةِ في الحَياةِ المُعَاصِرَة!!، ثم حَصلَتْ تَطَوُّراتٌ لها في القَرْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ ضَرَبْتُ عَنهُ الذِّكْرَ صَفْحاً.

وَوَجَدْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ؛ وأَظُنُّهُ عن هارونَ الرشيدِ أنه قال: النوادِرُ تَشْحَذُ الأَذْهانَ؛ وتَفْتِقُ الآذان!.

وقال حمادُ بنُ سَلَمَةَ: لا يُحِبُّ المُلَحَ إلاَّ ذُكْرانُ الرِّجالِ؛ ولا يَكْرَهُها إلاَّ إناثُهُم!!.

وما عَلَيكَ لَوْ جَمَعْتَ إلى الترْويحِ عَنِ النفْسِ خُلاصَةَ الحِكْمَةِ ولُبابَها؛ وأنْتَ تَرى الزارِعَ يُمَتِّعُ ناظِرَيْهِ بِحُقُولِ القَمْحِ وَسنابِلِهِ الذهَبِيَّةِ ولَيْسَ يُغْنِيهِ ذلكَ عنْ جَنْيِهِ وحصادِهِ!.

فَخْذْ إذنْ مِنَ الطرائِفِ ما تُرْشِدُكَ إلى التَّعَلُّمِ مِنْ نَظَائِرِها؛ حتّى إذا ما مَلَكْتَ زِمامَ الدُرْبَةِ والمِراسِ؛ ورُزِقْتَ حَصافَةَ الرأيِ وَوَفْرَةَ الحِجَى؛ وذكاءَ القَلْبِ؛ ونَفاذَ البَصيرَةِ!؛ صَنَعَتْ مِنْكَ - بإذنِ الله - في مَيْدَانِ الحِكْمَةِ سَبَّاقَ غاياتٍ وَمُدْرِكَ نِهَايات.

طُرْفَةُ المَلِكِ والهَنادِكَة:

وقدْ حُكِيَ أنّ بَعْضَ الظَلَمَةِ من المُلُوكِ لَمَّا ماتَ حَضَرَ جَنازَتَهُ جَمْعٌ كبيرٌ مِنَ المُلُوكِ والأعْيانِ؛ فَرَوَّجَ شَعْبُهُ المَظْلُومُ قِصَّةً في جَنازَتِهِ جاءَ فيها أنّ بَعْضَ أعْيانِ الهَنادِكَةِ حَضَرَ مَراسِمَ الدفْنِ، وكانَ الهِنْديُّ يَنْتِظرُ حَرْقَ الجُثَّةِ كَما جَرَتْ بِهِ العادَةُ عِنْدَ كَفَرَةِ الهِنْدِ في جَنائِزِهم!؛ فَلَمَّا صِيرَ بالجُثَّةِ إلى القَبْرِ ولم يَرَ الهِنْديُّ مِنْ ذلكَ شَيْئاً؛ سَألَ بَعْضَ الحُضُورِ مِنْ أَعْوانِ المَلكِ عن ذلكَ؟!؛ فقالَ له: الأَمْرُ عِنْدَنا على خِلافِ ما هُوَ عِنْدَكُمْ؛ فالحَرْقُ عِنْدَكُمْ أولاً والدفنُ ثانياً، أما عِنْدَنا فالدفنُ أوّلاً؛ ثمّ الحرْقُ في القَبْرِ ثانِياً!!.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015