لا لم يستفق بعد. بقي ينظر إليّ محاولا فهم ماذا أفعل في الجزائر في منتصف الليل أمام باب غرفته.
صرخت في وجهه " هل أدخل أم ستتركني أمام الباب؟ "
"أدخل".
جمدت نظرات أخي عليّ, كأنّه يتسائل, هل هوّ فعلا أنا أم أنّه أحد كوابيسه أو أحلامه.
ملأ كفيه بماء و رمى به وجهه.
أفاق.
الحمد لله.
"ماذا تفعل هنا؟ "
"أمّي أرسلتني"
"لماذا؟ "
"لأعطيك هذه"
قدّمت له علبة معجون الأسنان دون أن أخبره بالمال الذي بداخلها.
أمسك بها. أدارها. حملق فيها, رفع عينيه إليّ و قال:
"معجون أسنان!! "
لو أردت تعليم الأطفال صيغة التعجّب في اللغة, خذ صورة لأخي وهو يسألني هذا السؤال.
لم أستطع منع نفسي من مشاكسة أخيرة فأجبته: "قالت أميّ أنّنا شممنا رائحة فمك في تونس, فأرسلت لك المعجون".
بقي فمه مفتوحا و لم يجبني. كان قدومي إليه للمبيت في قسنطينة, في منتصف الليل, آخر شيء يمكن أن ينتظره.
حان الوقت لأخبره
"أميّ ارسلت إليك مالا في هذه العلبة."
صدق عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: كاد الفقر أن يكون كفرا.
تأمل أخي, المعوز منذ شهور, العلبة لحظة, ثمّ إنقضّ عليها بأسنانه.
قطّع الغطاء إربا, و أنفاسه اللاحثة أظاعت كلّ نسق, لا في الصوت و لا في تواترها, فكانت بين الشخير و الشهيق. تلطّخ وجهه بالمعجون. و أخرج لفّات المال ثمّ نزع عنها غطاءها البلاستكي الرهيف.
أخذ الأوراق. فتحها. رفعها بيديه الإثنتين أمام عينيه. ثمّ ..
بدأ يرقص.
أوّل مرّة أرى أخي الكبير يرقص.
ثاني مرّة كانت في زواج أخي الصغير.
أخذني معه في الصباح إلى الجامعة. لم أدخل جامعة من قبل.
عصريّة, ببرجها الشاهق و مبناها الذي يشبه كتابا مفتوحا. عرّفني ببعض أصدقائه و كانوا من أقطار عربّية مختلفة.
قدّم لي شاب سوداني كأسا ضننت أنّه كأس شاي, و من عاداتي و أنا طفل شرب أي كأس يقع في يدي جرعة واحدة و بسرعة, أكان حليبا أو ماءا أو شايا ...
كان أخي يعرف عادتي تلك. طبعا, الآن و بعد أنّ هدانا الله إلى سنّة الحبيب المصطفى, صلّى الله عليه و سلّم, تغّيرت الكثير من العادات و الطباع.
على كلّ حال, إلى هذه اللحظة لا أدري ماذا شربت من ذالك الكأس الذي قدّمه لي السوداني (وهو للعلم رجل فاضل). هوّ حشائش مثل الشاي, كلّ ما أذكره أنّ رأسي دار و لم أعد أفرّق يميني من يساري.
المهمّ. وقعت على الأرض, و الجماعة يتضاحكون. في العادة أنا الذي أشاكس. كنت مغتاظا من ضحكهم.
عند العودة, أرسل معي بعض الطلبة كتبا كانت ممنوعة من الدخول إلى تونس مع أدوات للرسم التقني, وذلك لبيعها لطلبة و تلامذة معاهد و كلّيات الهندسة. كأقلام و ألواح الرسم الهندسي. حيث كانت هذه الأدوات غالية جدّا في تونس, في حين أنّ حكومة الجزائر تدعمها, فتباع بأسعار رخيصة. و كانت هذه التجارة تدّر على الطلبة بعض الربح المادي فيعينون به أنفسهم.
وضعوا الكتب في كرتون كبير و فوق الكتب مجّلات أطفال عادية باللغة الفرنسية.
كنت جالسا على الكرتون في القطار أطالع إحدى هذه المجّلات. مرّ الجمركي. طلب منّي الوقوف لرؤية ما في الكرتون. لمّا رأى المجّلات ضنّ أنّ كلّ ما في الكرتون على شاكلتها, فلم يفتّش تحتها.
"جيّد يا بني, طالع وآدرس. نريد أن نراك رجلا ناجحا."
قالها ناظرا إلّي من علوّ و أنا جالس على الكرتون, وكان متمتعا بلعب دور من يلقي النصائح. لو علم ما خفي في الكرتون لما كانت النصيحة.
وجدت أمّي في حالة قلق كبير. مجّرد ضهور القلق عليها, دلالة على حجمه.
عنّقتني.
نادرا ما تفعل ذلك, ليس لجفاف منها, حاشاها, فهي أصدق و أرّق إنسان رأيته, بل لأنّ السلوك و الطيش الذي كنت عليه لا يتركان لأحد فرصة لإبراز مشاعر رقيقة تجاهي.
حفظك الله يا غالية و نوّر دربك في الدنيا و الآخرة, و جعل ما قمت به من أجلنا في ميزان حسناتك.
ـ[خويلد رقية]ــــــــ[06 - Oct-2010, صباحاً 10:21]ـ
صباح الخير أخي مشاكس في الجزائر والله وانا أقرء قصتك الجميلة والرائعة لقد كنت ممثلا بارعا وقمت بدورك على الوجه الكامل رغم الخطورة التي كانت تحفو بك من كل جانب
والله لم أشعر بالزمن كيف كان يطوى طيا وأنا أتتبع الأحداث بشغف كبير ,الحمد لله أنك وصلت ثم رجعت لإمك بخير
أريدك هذه المرة أن تعيد الكرة ولكن ليس فلوس في علبة معجون الأسنان وإنما علبة حلوى جميلة من الحلوى الشامية (حلوة الترك) وتزور الجزائر على الرحب واكتشف المزيد من جمال هاته البلاد الساحرة بمناضرها الطبيعية الخلابة سننتظرك إن شاء الله وننتظر منكم الدعوة إلى زيارة تونس الخظراء.
الله يبارك في عمر والدتك بلغ لها سلامي
ـ[همام العرب]ــــــــ[06 - Oct-2010, مساء 11:22]ـ
للمتابعة
ـ[عبد الحق آل أحمد]ــــــــ[06 - Oct-2010, مساء 11:23]ـ
لست بناصحٍ للأخ بزيارة "تونس" ...
وحسبك أخبار "القيروان" لتتونَّس! ...
وإلاَّ فالزيارة إليها قد تكون ...
لكن بعد حط الرحال إلى: "سِيلون! " ...
وإن عاندت وأردت إلاَّ الذهاب ...
فتحصَّن بأذكار السنة والكتاب ...
وفوِّض أمرك للمَلك الوهاب ...
وأعانك الله .. واصبر واحتسب ..
ولا تنسى توديع الأهل والأصحاب ..
¥