كانت أمّي منشغلة. جالسة. و قد أفرغت علبة معجون الأسنان من المعجون. و بجانبها أوراق من الفرنك الفرنسي ملتفّة في ورق بلاستكيّ رهيف شفّاف.
أدخلت لفّات الأوراق في العلبة الفارغة برفق ثمّ أخذت قمعا صغيرا و أعادت إدخال المعجون في العلبة, كيّ يغطّي المال و لا ينكشف وجوده. حتّى لو ضغط رجل الجمارك على العلبة فسيخرج المعجون أوّلا و لن يشّك في أنّ ما بقي بداخلها هوّ مال.
أمّي إمرأة مجاهدة حقّا. تعبت كثيرا معنا و هيّ ذات شخصيّة حاسمة, كريمة, و قلبها نقّي. علّمتها التجارب كيف تحافظ على رباطة جأشها و تماسكها. هي لا تشتكي أمام الناس أبدا.
يومها, رأيت فيها إضطرابا تحاول إخفائه.
وأنا في تلك السنّ لم أكن قادرا على فهم ذاك الخوف في عينيها بل و لم أعره بالا. فالأمر بالنسبة لي, مغامرة أخرى من مغامرات الطيش أتت في قالب سفرة. سأهرّب أموالا لأخي. مالأمر في ذلك!!؟
اليوم, كلّما مرّت بخاطري ذكرى ذلك الخوف في عينيها , تدمع عيناي.
الآن أفهم.
أمّ تضطرّ لإرسال إبنها في مهّمة خطرة. وقلبها مقطّع بين إبنها الطالب في الجزائر المعوز الذي ليس له ما يقتاته منذ شهور, و إبنها الآخر الذي ترسله في أمر قد يؤدي به إلى مخفر الشرطة. و الشرطة كما تعلمون في خدمة الشعب.
و تعلمون أيضا كيف يكون الأمر لو قبض خدمنا علينا.
و المرور بالحدود يتطلّب صبرا و جهدا. فالمسافة, في حدّ ذاتها, ليست مرهقة و لكنّ الإجراءات و الإنتظار و صلف الجمارك و الشرطة هوّ الأمر الثقيل. حينها كان المرور عبر الحدود, صعبا.
تغيّر الحال الآن, و الحمد لله. و أصبح السفر فعلا متعة, و الموّظفين من شرطة و جمارك على الحدود على خلق و مهنية مع المسافرين.
اللهمّ أدمها نعمة.
فهمت لماذا لم تصفعني أمّي من أجل التوت. كانت ترى أنّه كثير عليّ عقابي و إرسالي إلى المجهول في يوم واحد. شخصيّا, لو صفعتني لما لاحظت أيّ تغيير.
على كلّ. أخذت جواز سفري و ركبت القطار. زرت الجزائر سابقا, و لكنّها أوّل مرّة أزور فيها أخي في قسنطينة.
أعفيكم من صور الإنتظار و الملل على الحدود حتّى يتكّرم خدمنا بالسماح لنا بالمرور.
لم يخطر ببال الجمركي أنّ شخصا في عمري مسافر لتهريب الأموال. سألني عن وجهتي فأخبرته أنّي ذاهب لزيارة أخي لإعلامه أنّ خطيبته فسخت الخطوبة نتيجة لمزاحه الثقيل.
قصّة من خيالي رميتها للجمركي.
أخي لم يخطب أحدا بعد.
الواقع أنّي وجدت متعة في مشاكسة أخي حتّى وهو غائب.
تعاطف الجمركي مع أخي وطلب منّي أن أوصيه بعدم الحزن و أنّها ليست الفتاة الوحيدة في الدنيا و يوجد غيرها بالآلاف ممّا يتمّنونه زوجا. وآسترسل في الحديث إلى الحدّ الذي نسيت فيه أنّي إخترعت القصّة و كدت أسأله عمن تكون الفتاة التي يتّحدثّ عنها.
فهمت أنّه مرّ بتجربة رفضته فيها فتاة. فبطل العجب.
دخلنا التراب الجزائري.
وصل القطار إلى قسنطينة في منتصف الليل. مدينة خلاّبة, من أجمل مدن العالم, لو تمّ الإعتناء بها. مغلب مدن الجزائر جميلة و خصوصا العاصمة و لكن تنقصها العناية. الفرق مع قسنطينة انّ نقص العناية لا يرى فيها, وهو موجود. فالمدينة, المتدرّعة الثلج شتاءا, مبنيّة على جبلين شاهقين تربط بينهما قناطر عالية. جمال التضاريس يغّطي عن أي فعل إنساني, أكان الفعل إيجابّيا كالعمارة, أو سلبيا كعدم العناية بالنظافة.
أعلم أنّ الأمر تبدّل الآن فقد زرت الجزائر أخيرا بعد غياب طويل و كنت سعيدا بما رأيته من تغيير في إدارة المدن.
سألت عن المبيت الجامعي فأوصلني رجل طيّب بسيّارته. كان ينتظر قريبه في محطّة القطار. شكرته, فآستغرب مبتسما! عن ماذا أشكره؟ الناس في الجزائر أهل مروءة, يستغربون من عدم وجودها, أيّ المروءة, لا من وجودها.
حارس المبيت نائم. دخلت و لم أوقضه.
تتبعت الأرقام فوجدت غرفة أخي. طرقت الباب. لم يفتح أحد.
طرقت بقوّة. دقائق و يفتح لي أخي, عيناه لم تفتحا تماما بعد.
كان كمن يمشي نائما غير واعي: "عبد الله, ألم أقل لك لا توقضني سأشكوك لأمّي غدا"
و أغلق الباب.
بقيت في الرواق أمام الباب مشدوها!! بعد كلّ ما مرّ عليّ اليوم لأوصل له المال, يغلق الباب في وجهي؟ ضنّ عندما رآني أنّه في المنزل.
فتح الباب ثانية دون دقّ منّي هذه المرّة.
"عبد الله!!؟ ماذا تفعل هنا؟ "
"إستفقت الآن؟ "
¥