ـ[عبيد الله التونسي]ــــــــ[14 - Sep-2010, مساء 01:03]ـ
شجرة التوت في الملعب البلدي لمدينة باجة, ضخمة ومهيبة. و كانت تغيضنا بثمارها المحميّة بالجدار و حارس الملعب و كلبه المتوحّش.
كنّا أطفالا نتسوّر السور ثمّ نجري لنصعد فوق الشجرة. نأكل بعض حبّات التوت بسرعة و نهم, ثمّ ننزل منها ونهرب خوفا من أن يمسك بنا الحارس.
يومها قلت لصديقي محمد, عوض أن نأكل فوق الشجرة خائفين, نحمل أكياس بلاستك, نعبئ الأكياس بسرعة, ثمّ نتلذّذ بالأكل على راحتنا بعد ذلك.
و كان كذلك.
إلّا أنّ محمد لم يلتزم أو نسي الخطّة. عوض أن يملأ الحقيبة كانت عيناه وهو على الشجرة تجولان في أرجاء الملعب بحثا عن الحارس و يديه تنتقلان من حبّات التوت على الأغصان, إلى فمه, بتواتر سريع و أوتوماتكيا.
أكل التوت المواجه له ثمّ بدأ بقطف التوت الذي بجانبيه, دون إلتفات, مراقبا أمامه بيت الحارس خوفا من أن يفاجأانا هوّ و كلبه.
قطف التوتة الأولى و كلّ حواسه, عدى الذوق, مركزّة على الحراسة.
أكل التوتة الثانية.
إلتقم الثالثة و ضغط عليها بأسنانه. الطعم متغيّر.
جمد للحظة, و عيناه لا زالتا تراقبان بعيدا.
ضغط ثانية للتأكد. هنالك بعض لزوجة و ملوحة في هذه الحبّة.
ليس هذا طعم توت!!!
أخرج ما في فمه ليرى ..
كانت خنفساء سوداء إلتقفها من الغصن الذي على يمينه!!
أترككم تتخيّلون لحظة الذهول التّي مرّ بها.
"عبد الله أمّي تناديك"
أخي الصغير يصرخ من الجانب الآخر للسور. و أنا فوق الشجرة.
أجبته مرعوبا, منكمشا, خوفا من أن يسمع الحارس صوته, و لا أدري إن كان ردّي صراخا أو همسا.
"أصمت"
فات الأوان. أفاق الحارس من قيلولته على نداء أخي. خرج يجري مع كلبه صارخا: "يا .... ماذا تفعلون هناك".
عجيب أمر الخوف!!! يمكنّك من فعل أشياء لا يمكن أن تقوم بها و أنت في وضع طبيعي. كان قفزي من الشجرة ثمّ تسلّقي السور, نطّا, ثمّ قفزة أخرى, من السور إلى الخارج و هربي, في ثلاث حركات رياضية لا غير: قفز – تسلّق - قفز, ثمّ الهروب.
ذكّرني هذا بالمرّة التي كان يلاحقني فيها كلب ضخم في الحيّ, ووجدت نفسي أمام حائط مغلقا الزقاق.
إلى يومنا هذا, لم أفهم و لا أستطيع تفسير كيف وجدت نفسي جالسا على أعلى الحائط و الكلب تحته ينبح!! طرت؟ قفزت؟ تسلّقت؟ ... لست أدري! كلّ ما أذكره أنّي كنت جالسا على أعلى الحائط و الكلب ينبح حانقا في الأسفل.
عدت إلى المنزل.
"نعم أمّي. ناديتني؟ "
"كنت في الملعب ثانية؟ "
رمقت أخي الصغير ثمّ أنزلت بصري أمامها و لم أجب.
في العادة, عندما ينكشف أمري أعدّ نفسي لعقاب.
هيّ تعلم أنّ شجرة التوت تابعة للملك البلدي و مآل ثمارها التلف. و لو كانت ملكا لأشخاص لكان الإستقبال مباشرة بصفعة.
أميّ لا تناقش في أمرين: الدراسة و حقوق الناس.
"أعدّ نفسك للذهاب إلى أخيك في قسنطينة" قالتها دون أن تنظر إليّ.
كي أضعكم في الصورة. نحن نسكن في مدينة باجة التونسية. أخي يدرس الحقوق في جامعة قسنطينة الجزائرية, وذلك لأنّ شعبة الحقوق في الجزائر تدّرس بالعربيّة, و في تونس كانت الحقوق تدّرس بالفرنسيّة. عرّبت الآن و الحمد لله. و تبعد قسنطينة عن باجة قرابة الثلاثة مائة و خمسين كيلومترا. أصعب ما في السفرة, الإنتظار الذي قد يتجاوز إثنا عشر ساعة على الحدود, حتّى تسمح لنا الشرطة و الجمارك بالمرور.
عمري أربعة عشر سنة. أميّ تطلب منّي الذهاب إلى الجزائر بنفس النبرة التي تطلب فيها منّي الذهاب إلى السوق لإحضار الخضار!!!
أجبت: "طيّب, متى أذهب؟ "
"اليوم في قطار العصر. ستسلّم هذا المال إلى أخيك".
تحويل الأموال بين تونس و الجزائر لم يكن ممكنا بالبنوك. حتّى و لو تمّ ذلك, في أوقات نادرة, فإن التحويل في حدّ ذاته لا فائدة مالية منه بالنسبة للطالب. فتحويل الفرنك الفرنسي في البنك الجزائري كان بنسبة واحد فرنك يساوي واحد دينار. أمّا تحويله في السوق السوداء فكان الفرنك بثلاث دينارات و نصف.
فكان لزاما على الطلبة التوانسة الدارسين في الجزائر تدّبر أمورهم, كلّ حسب إمكانياته و أسلوبه, لتوفير إحتياجاته من المال. و يتمّ إرسال المال في المغلب بالتهريب.
¥