الحافظ الإمام النووى رحمه الله من أصحاب الشافعى الذين تعتبر أقوالهم ومن أشد الشافعية فى الحرص على التأليف، وألف فى فنون شتّى: فى الحديث ومتعلقاته، وفى اللغة، وهو فى الحقيقة من أعلم الناس، والظاهر والله أعلم أنه من أخلص الناس فى التأليف لأن تأليفاته انتشرت فى العالم الإسلامى، لا تكاد تجد مسجدا إلا وتجد فيه رياض الصالحين مما يدل على صحة نيته، وهو رحمه الله مجتهد، والمجتهد يخطىء ويصيب، وقد أخطأ رحمه فى مسائل الأسماء والصفات، فكان يؤول فيها، لكنه لا ينكرها، فمثلا " استوى على العرش "، يقولون: استولى على العرش، لكنهم لا ينكرون استوى؛ لأنهم لو أنكروه لكفروا، يصدقون به لكنهم يحرفونه، مثل هذه المسائل إذا علمنا صدق الإمام النووى رحمه الله، وكثرة ما انتفع الأمة بمؤلفاته فإنها تغتفر، ولقد ضل قوم أخذوا يسبونه سبا عظيما من الخلف الخالفين، حتى قال بعضهم يجب أن يحرق شرح النووى على صحيح مسلم. نسأل الله العافية

والأحاديث ليست أربعين، بل هى اثنان وأربعون، لكن العرب يحذفون الكسر فى الأعداد.

هذه الأربعون ينبغى لطالب العلم أن يحفظها لأنها منتخبة من أحاديث عديدة وفى أبواب متفرقة.

شرح الحديث:

أمير المؤمنين: أبو حفص عمر بن الخطاب، آلت إليه الخلافة بتعيين أبى بكر الصديق رضى الله عنه له، فهو حسنة من حسنات أبى بكر، وتنصيبه فى الخلافة شرعى؛ لأن الذى عينه أبو بكر، وأبو بكر تعين بمبايعة الصحابة له فى السقيفة، فخلافته شرعية كخلافة أبى بكر، ولقد أحسن أبو بكر اختيارا حيث اختار عمر بن الخطاب.

وفى قوله: سمعت، دليل على أنه أخذه من النبى بلا واسطة، والعجب أن هذا الحديث لم يروه عن النبى إلا عمر مع أهميته، لكن له شواهد فى القرآن والسنة، ففى القرآن: " وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله "، هذه نية

" محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا " وهذه نية.

وقال النبى صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبى وقاص: " واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله فى فىّ امرأتك "، قوله: " تبتغى بها وجه الله " هذه نية، فالمهم أن معنى الحديث ثابت فى القرآن والسنة، ولفظ الحديث انفرد به عمر رضى الله عنه، ولكن تلقته الأمة بالقبول التام، حتى أن البخارى رحمه الله صدر كتابه الصحيح بهذا الحديث.

من الناحية البلاغية:

1 - " إنما الأعمال بالنيات ": الحصر، وهو إثبات الحكم فى المذكور ونفيه عما سواه.

2 - " فهجرته إلى ما هاجر إليه ": إخفاء نية من هاجر للدنيا، والفائدة البلاغية: تحقير ما هاجر إليه هذا الرجل، يعنى ليس أهلا لأن يذكر (الدنيا والمرأة)

3 - " ولكل امرىء ما نوى " أيضا مبتدأ وخبر

4 - فمن كانت ": جملة شرطية.

فى اللغة:

الأعمال جمع عمل ويشمل الأعمال القلبية والنطقية والجوارحية.

القلبية: مثل التوكل والإنابة والخشية.

النطقية: أقوال اللسان وهى الأكثر

الجوارحية: اليدين والرجلين وما أشبه ذلك.

النيات: جمع نية، وهى القصد ومحلها القلب، فهى عمل قلبى ولا تعلق للجوارح بها.

لكل امرىء: إنسان

ما نوى: ما نواه

هاتان الجملتان هل هما بمعنى واحد أو مختلفتان.

الجواب: يجب أن نعلم ان الأصل فى الكلام التأسيس دون التوكيد، ومعنى التأسيس أن الثانية لها معنى مستقل، والتوكيد أن الثانية بمعنى الأولى. والقاعدة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأسيسا أو توكيدا أن نجعله تأسيسا.

فالأولى باعتبار المنوى وهو العمل، والثانية باعتبار المنوى له وهو المعمول له، ويدل لهذا ما قدمه النبى بقوله: فمن كانت هجرته، وعلى هذا فيبقى الكلام لا تكرار فيه.

المقصود من هذه النية تمييز العادات من العبادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض.

تمييز العادات مثل الرجل يأكل الطعام شهوة فقط، والثانى يأكله امتثالا لأمر الله: " كلوا واشربوا "، صار أكل الثانى عبادة والأول عادة.

ثانيا: الرجل يسبح بالماء تبردا والثانى يسبح للغسل من الجنابة، الأول عادة والثانى عبادة، ولهذا لو كان على الرجل جنابة ثم انغمس فى البحر للتبرد ثم صلى، لا يجزئه ذلك، لابد من النية، ولهذا قال بعض أهل العلم:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015