"أنا أيضا مسلم. اللّه, الذي خلقنا و أنعم علينا بالإسلام, قال لنا أنّ كلّ المسلمين أخوة. إذا أنا و أنت و فخر الدين و عبد الرزّاق و كريم و محمد إخوة في الإسلام."

"كان فخر الدين يمضي كلّ وقته معي, و الآن كلّما رآكم يتركني و يأتي إليكم" أخيرا أخرجت الطفلة الملاك ما يشغل بالها.

"يسعدني ذلك, و لكن أتدرين ماالذي يسعدني أكثر؟ "

"ماذا؟ "

"عندما تأتين أنت أيضا. أفرح كثيرا. خصوصا عندما يعلّمك كريم القرآن. هل أقول لك سرّا؟ "

"نعم"

"أنت ترتّلين القرآن أحسن منّي, أتمنّى أن أرتّله مثلك."

لمعت عيناها الكبيرتان دهشة و فرحا. وآزدادت بشرتها البيضاء نورا.

"حسنا عليّ الذهاب الآن, يومك سعيد"

"قمر, سنتمّشى بعد الظهر في الجبل, إن وافقت أمّك يمكنك المجيء أنت و فخر الدين معنا."

"حقّا, حقّا!!! سأطلب من أمّي السماح لي بالذهاب. أخبر فخر الدين في الحال"

ذهبت تجري و قبل الدخول إلى باب العمارة إلتفت إليّ وآبتسمت.

كوني رجل رياضيات, بإمكاني إيجاد وحدات قياس لمعظم ما يمرّ بي في الدنيا. إبتسامة قمر تلك, لا تقاس. كيف تقاس سرعة لمحة عين, حاملة البراءة و الفرح من باب عمارة إلى قلبك؟ كيف يقاس وزن حبّ أطفال, كورد البساتين, علبّوه في إبتسامة ثمّ قدّموه إليك؟ هيّ لحظة تحتوي القياس و لا يحتويها قياس.

عند الغابة في الجبل, مشي فخر الدين بيننا. رجل بين الرجال. يسبقنا تارة و تارة يلتفّ حولنا ثمّ يمشي بجنبي. و قمر, ممسكة بيد كريم تحكي له عن كلّ ما يخطر ببالها, من زميلاتها في المدرسة, إلى شريط الصور المتحركة الذي شاهدته, إلى الكلمات التي تعلّمتها من عبد الرزّاق باللهجة المغربية, و إنّ خطر ببالها موضوع تضنّه مهمّ, تمسك بيديه و تمشي أمامه القهقري, ناظرة مباشرة إلى عينيه و مثّبتة نضراته معها كيّ يركزّ مع ما تقول. و كريم, الحليم دائما, يماريها و قد يسألها عن بعض التفاصيل.

لاح فجأة نسر في الأفق, طائر مهيب, ما إن لمحه فخر الدين حتّى أمسك بيدي بشدّة.

"ما بك فخر الدين؟ لا تخف!! أنت رجل الآن"

نظر إليّ و قد كبرت عيناه مندهشا كالذي إكتشف في نفسه أمرا لم يكن يعرفه

"أضن أننّي لم أصبح رجلا بعد!!! "

رأيت إبتسامات الشباب الخفيّة.

حفظك الله يا طفل الإسلام ستكون إن شاء الله من الرجال العظام.

بعد قليل رأى محمد مجموعة من البطّ حول بحيرة جبلية, و بخبرة إبن الفلّاح قال:

"لا بدّ من وجود بيض بطّ هنا, اليوم أطبخ لكم عجّة لم تأكلوا مثلها قبلا" (العجّة أكلة تونسية من بيض و توابل و طماطم و الهريسة التونسية, وهي معجون فلفل أحمر حار. و التوانسة إذا أردت القضاء عليهم, إحرمهم من الهريسة شهرا واحدا. لا تغيب عن طعامهم).

أضنّ أنّ قمر لم تنتبه لما يخططّ له محمد.

و بخبرة عجيبة و في بضع دقائق حدّد محمد مكان بيضة, فأخذها فرحا كأشدّ ما يكون الفرح, فقد سإمنا الطبخ السويسري و لم نأكل بيضا طبيعيّا منذ مدّة. كلّه بيض مداجن.

أشّع وجه محمد و عرض علينا البيضة بفخر.

"ما هذا؟ " صرخت قمر

أجاب محمد مندهشا من ردّة فعلها"بيضة!!! "

"أعدها الآن"

كانت تصرخ بهستيريا و قد تحّولت بشرتها البيضاء إلى لوحة عجيبة من الألوان. حمرة الوجنتين الغاضبتين و الشرايين الخضراء البارزة على جبينها الأبيض, المحاط بخصلات شعرها الأسود. ملاك هذه الطفلة حتّى وهي غاضبة.

أمسكها كريم برفق و قال بصوت هادئ عذب كي يهدئ من روعها "طيّب, طيّب يا قمر, ما الأمر؟ ما بك؟ "

"أمّها"

"ما بها يا قمر؟ "

" ستحزن إن لم تجد بيضتها, نحن أخذنا إبنتها"

يا سبحان الله, ما هذه البراءة! ما هذا النقاء! هل هوّ ما عاشته من أهوال الحرب و وحشيّة الصرب الجبناء و فقدان الوالد, ما جعلها تقيّم الأمور بهذه الحساسية, و يتعصّر قلبها لمجردّ فكرة فقدان أمّ لإبنها. حتّى و لو كانت الأمّ بطّة.

أجابها محمد المتمسك بكنزه و مشروع عشائه, محاولا إقناعها, و متوسلا بعض الشيء:

" حبيبتي قمر, شغل أمّ البطّ, أن تعطينا بيضا لنأكله. ستفرح الأمّ إن أخذنا البيضة"

صرخت بصوت أعلى من السابق" أعدها الآن". واضح أنّها لم تقتنع.

حاول محمد تكتيكا آخر:

" طيّب يا قمر, إن كنت خائفة على البطّة. أمسك بالبطّة الأمّ و نطبخها مع البيضة و هكذا لن يحزن أحدهما على الآخر".

بهتت للحظة .. كأنّها تريد أن تستوعب هذا المنطق!!!

الحقيقة, أننّا نظرنا كلّنّا إلى محمد, نريد أن نستوعب المنطق!!

الواضح أنّه كان يريد الحفاظ على بيضته بأيّ ثمن.

لم تهدأ قمر إلّا بعد أن أعاد محمد البيضة إلى مكانها.

كان محمّد يحدّق فيها بطرف عينيه طوال طريق العودة. لم يترك شيئا أمامه من غصن أو حجر إلا ركله برجله, فإن لم يجد يركل الهواء. غاضب لضياع عشائه, عاجز أن يفعل أيّ شيء لهذا الملاك الطاهر قمر.

حملها عبد الرزّاق على كتفيه. أعجبت الفكرة فخر الدين. فعلمت أنّه عليّ أن أعدّ كتفاي.

أرسلت إلينا أمّ قمر عشاءا أحضرته لنا خصيصا.

كان ذلك من كرمها و كان لذيذا فنسي محمد صورة البيضة العالقة في مخّيلته.

مرّت الأيام سريعا و عدت من سويسرا. غابت عنّي قمر و أخبار الشباب.

حفظهم الله

طور بواسطة نورين ميديا © 2015