سأحدثّكم اليوم عن قمر

ـ[عبيد الله التونسي]ــــــــ[14 - Sep-2010, مساء 01:00]ـ

تطّلب عملي أن أسافر إلى سويسرا لمدّة شهر. فآكتريت شقّة مع مجموعة من الأصدقاء. عبد الرزّاق من المغرب من مدينة طنجة, خفيف الظلّ, صاحب نكتة, حادّ الذكاء و طيّب جدّا. ثمّ كريم من الجزائر من مدينة تيزي وزّو, مدينة الجبال و الجمال, رجل حرّ و راق إلى أبعد الحدود, هاديء, وسيم, نقّي القلب و يحبّ الله و رسوله, صلّى الله عليه و سلّم, بشكل عجيب, حتّى أنّك لو عرّفته بشخص إسمه محمد, يغيب عنك لثانية, و يسبح بعيدا, كأنّك ذكّرته بحبيب, فيذبل و يذوب شوقا لرؤيته, ثمّ يستفيق عائدا من بعيد و يسلّم عليك وعليه. يذكّرني دائما بالصحابّي الجليل مصعب بن عمير, رضي الله عنه. ومحمّد من تونس من مدينة قليبيا الساحلية في الشمال الشرقي للبلاد, مدينة فلاحة و صيد بحري و أبوا محمد فلاحين. رجل عمّلي منظم, لا يترك ثانية من وقته تضيع دون أن يستغلّها إما في أمر دنوي أو في ذكر و حفظ لكتاب الله. تضنه صعب الطباع وهو في الأصل جواد, يغطي رقّة قلبه بصرامة سلوكه, و لكنّ المواقف تخونه أحيانه فينكشف إمّا بدموع عينيه لدى سماعه القرآن أو بإظطرابه لو حاصره طفل بأسئلة محرجة. و أخيرا العبد الفقير إلى رحمة الله, مخاطبكم.

كان جيراننا في الشقة المقابلة لنا, عائلة من البوسنة, فقد ربّ العائلة في الحرب, فرّج الله عنه و عن جميع المسلمين, وهاجرت الأم بطفليها فخر الدين و قمر إلى سويسرا لمّا إشتدّت الوطأة على المسلمين و بقيا فيها منذ ذلك الزمن.

كان فخر الدين في الخامسة من العمر و كان محيطه البشري مكوّن من النساء فقط, أي أمّه و أخته قمر ذات التسع سنوات, لذا كان لعبه و تصرّفاته كلّها مرتبطة بلعب و تصرّفات أخته قمر. فقد كان يلعب بدمى قمر, و ليس له أحد يتكّلم معه من الصغار سوى قمر.

إلتقيت بفخر الدين لمّا عدت من عملي. وجدته أمام باب العمارة مع أخته يصعدون الدرج إلى الطابق الثالث, أين نسكن نحن. حملت فخر الدين على ضراعيّ و أوصلته إلى شقتّه و في الأثناء مازحته قليلا:

"ما شاء الله أنت رجل الآن كم تزن؟ ".

قلتها كأيّ كلمات تقال للأطفال بشكل طبيعي. أحسست أنّ كلمة "أنت رجل الآن" إستوقفته. فقد لمعت عيناه لدى سماعه لها.

لمّا وضعته على الأرض أمام باب شقّته, قال لي ببراءة:

"أنت تسكن بجنبنا".

أجبت "نعم كما ترى, و يمكنك زيارتي متى شئت بعد ان تستأذن من والديك طبعا (لم أكن أعلم بقصّة الأب بعد) ".

ثمّ أضفت "أنت صديقي الآن".

"حقًا!!؟ "

"نعم حقّا. هل تريد أن تكون صديقي؟ "

أجابني "نعم".

قالها مسرورا و أخته قمر تراقب حوارنا صامتة وأمّه التي فتحت الباب و سمعت ما دار بيننا, سلّمت ثمّ أدخلتهما.

جائنا فخر الدين و قمر في المساء, ففرح بهما الأصدقاء فرحا شديدا, فقد أدفأا الجوّ في هذه البلاد الباردة طقسا و طباعا. و آندمج هوّ معنا إلى أبعد الحدود. أظنه أولّ مرّة يجد محيطا خاصا به من الرجال. فلم يعد يفارقنا.

مرّت الأيام و أصبح فخر الدين و قمر لا يفارقان شقّتنا.

أخذت أعلّم فخر الدين الملاكمة. تجاوب معي بشكل سريع, فتعلّم التغطية و توجيه اللكمات و تفاديها, و في بعض الأحيان تأخذه الشقاوة فيسدد لي ضربة بقدمه. فأمثّل الألم. "أي .. وجعتني يا فخر الدين, هذه الضربة ليست قانونية, نضرب باليدين فقط".

يجيبك "نسيت" و تفضحه إبتسامته الماكرة.

تعلّق بي فخر الدين فلم يعد يفارقني, وكانت قمر عندما يتركها الأصدقاء بعض الوقت, تراقبنا في صمت و لم تكن توّجه لي الكلام إلّا النزر القليل. كانت تضّن أنّي إستوليت على إهتمام أخيها الوحيد, الذي كانت تلعب معه.

يوم الأحد, يوم عطلتهم الأسبوعيّة, كنت جالسا في حديقة العمارة أطالع الجريدة و أترشّف قهوتي. أحسست بحضور. كانت قمر. جلست بجنبي.

"السلام عليك قمر, كيف حالك؟ "

"و عليك السلام, الحمد لله"

ثمّ بقيت تنظر إليّ بعيني من لديها ما تقول و لا تدري من أين تبدأ

"فخر الدين يحّبك كثيرا"

"ذلك شرف لي يا قمر, أنا أيضا أحبكما كثيرا"

"تحبّنا نحن الإثنان؟ "

"نعم بالتأكيد"

"لماذا؟ "

"أولا نحن إخوة من نفس الأمّة"

"كيف ذلك؟ أنا لست أختك, أنا أخت فخر الدين"

"أنت مسلمة, أليس كذلك؟ "

"نعم, قالت لي أمّي أننّا مسلمون"

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015