ثم تتنبه في نفسه حمية المسلم، وتستيقظ عزة المؤمن، فيقطع حبل مودة الأسبانيين، وتقوم الحرب بينه وبينهم، ويعينه ملوك المغرب بجامع الإخوة الإسلامية التي لا تنفصم قط عراها، فينتصر عليهم.

ويتسلسل الملك في أولاده، إلى العهد الذي أحدثكم حديثه، حين يقوم النزاع على هذا العرش الصغير الذي لا يستحق أن يتنازع عليه غريبان، فضلاً عن أن يتقاتل من أجله أخوان، أبو عبد الله الكبير المعروف بالزغل، وأبو الحسن والد أبي عبد الله الصغير، وغلب الثاني على الملك، وإن كان الأول أقوى وأحزم وأبرع وأحكم واستهوته حلاوة هذا العسل، فأنسته السم الكامن في قرارته، وحُمَات النحل التي تحوم من حوله، وغرق في لذائذه، وكانت له زوجة شريفة عفيفة من بنات عمه اسمها عائشة، هي أم ولديه محمد وهو أبو عبد الله الصغير ويوسف، فتركها وعشق فتاة أسبانية بارعة الجمال فاتنة الحسن، وارتكب جريمة مثلثة اللعنات:

1 – حكمها في نفسه وقصره، واطلعها على دخيلته وسره هي وقومها الاسبان أعداؤه وأعداء بلاده ودينه، وزواج الخلفاء ببنات الأعداء كلت من أكبر أسياب الضياع.

2 – وظلم من أجلها زوجته الشرعية وجافاها وأذلها.

3 – ثم عمل ما لا يعمله رجل شريف، فحبسها هي وولديها في البرج، وبقيت الحمراء كلها لهذه الأسبانية ترح فيها هي وأعوانها، وتكيد للعرش وصاحبه، وتخدم قومها الأسبان وهي محمية بعرش الملك المسلم.

* * *

وكانت هذه السيدة عائشة امرأة قادرة داهية أريبة، فلم ترض لنفسها هذا المصير، وأعدت العدة للفرار من البرج العالي وكاتبت أنصارها، وهيأتهم للثورة على زوجها، ثم شققت الستائر والملاحف، واتخذت منها حبالاً تعلقت بها وولداها وهبطت من البرج.

وبينما كان أبو عبد الله الكبير يقاتل الأسبان، ينازل جيشًا لهم جرارًا جاء ليقضي على هذه البقية من دولة العرب في الأندلس، كانت عائشة وابنها أبو عبد الله الصغير يقاتلان الملك العربي، الأب يؤثر لذته على مروءته، ويسيء لولده أرضاء لزوجته، والابن يحارب أباه، وكل ذلك والعدو على الأبواب.

هذا العدو الذي لم يكفه ما اقتطع من بلاد العرب، ولم يكفه ما أراق من دمائهم، فهو لا يزال لما يرى من تخاذلهم وانقسامهم وغفلتهم، يطمع في القضاء عليهم.

وانتزع أبو عبد الله الصغير هذا العرش المنحوس من أبيه، وغلبه عليه ولكن الأسبان جاءوا فأسروا أبا عبد الله الصغير، وحرموه بر الوالد، ولذة الحكم.

وراحت عائشة تعمل عملها، تستبيح كل شيء لتنقذ ولدها، لقد غلبتها عاطفتها فنسيت حقوق الأمة، وواجبات الدين، وأحكام الشرف، فعرضت على الأسبان معاهدة تخضع البلاد كلها لحكم ملك قشتالة، ويؤدي أهلها الجزية إليه بعد أن كانوا هم الذين يأخذونها منه، معاهدة الذل والخزي والعار، ومع ذلك فقد تدلل الأسبان وأعرضوا، وشمخوا بأنوفهم، لأنه لم يعد يرضيهم وقد رأوا العرب يفقدون سلائق آبائهم، وبطولات ماضيهم إلا أخذ كل شيء. ولم يطلقوا أبا عبد الله الصغير من الأسر إلا بعد ثلاث سنين.

ودفعت البلاد حريتها ثمن حريته، وبذلك كرامته وحياتها ليتربع على عرشه – وعاد معه الانقسام، وانشطرت البلاد الإسلامية شطرين: شطر تبع هذا الملك الذي باع نفسه للشيطان كما فعل جده من قبل، فكان ملكًا على المسلمين وعبدًا للأسبان، وشطر بقي على الولاء لعمه أبي عبد الله الكبير.

ووقعت الحرب الأهلية، وأعان الأسبان صنيعتهم وتابعهم، فطرد عمه وانفرد على هذا العرش الملطخ بالأوضار.

* * *

ورحل أبو عبد الله الكبير إلى المغرب، وكان بطلاً مجربًا وقائدًا حازمًا أريبًا، ورأى الأسبان أنه لم يبق في الميدان إلا هذا الشاب الضعيف، أبو عبد الله الصغير، فقرعوا طبول الحرب، وأعلنوا أن قد أزفت ساعة إخراج العرب من أسبانيا التي كان دخولهم إليها سبب نعم الله عليها، نقلها من الجهل إلى العلم، ومن الهجمية إلى المدنية، وأقام فيها صرح الحضارة الخيّرة التي أرساها على العلم والإيمان، فأثمرت السيادة والسعادة والأمان وقبست أوربة منها ومن المشرق أسباب الثقافة والعرفان.

وكانت عائشة قد أغضبت الله لترضي الأسبان، وألبست قومها الذل والعار، ليستمتع ابنها بهذه اللعبة الحلوة التي اسمها العرش، فلم تستبق العرش، ولا رضا الأسبان.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015