ـ[المصباح المنير]ــــــــ[31 - صلى الله عليه وسلمug-2010, صباحاً 03:36]ـ
هو حديث إذاعي من الأحاديث التي كان يلقيها أديب الكبير الشيخ علي الطنطاوي بإذاعة دمشق منذ أكثر من 60 عاما ثم أودعها في كتابه رجال من التاريخ 1405هـ يتحدث فيه عن بكاء الأنذال وتضييع البلاد ..
...
عِبْرَة
الشيخ: علي الطنطاوي
كنت أتمنى ألا أحدثكم إلا أحاديث المكارم والمفاخر، ولا أقص عليكم إلا أخبار النصر والظفر ولكني رجل مؤرخ، وحياة الأمم كحياة الأفراد، فيها الصفاء وفيها الكدر، وفيها الأعراس وفيها المآتم. ولا أكون أمينًا على التاريخ، ولا صادقًا في الرواية، ولا ناصحًا للقارئين، إذا أريتكم صفاء الماضي دون كدره، وسردت عليكم مباهجه دون مآسيه، ولعل العبرة في الهزيمة أكبر من العبرة بالنصر.
وأنا أستجديكم اليوم الدمع، وأدعوكم إلى البكاء لا بكاء أبي عبد الله الصغير الذي سأحدثكم حديثه فهذا بكاء الأنذال، إنما أريد بكاء الرجال، والرجل قد تجيش عاطفته، ويسيل قلبه دمعًا من عينيه، ثم يمسح الدمعة، وينسى العاطفة، ويحكم العقل، ويمضي إلى العمل فلئن ضاعت منا الأندلس (وسترون لم ضاعت) فقد أبقت لنا عبرة، ولقنتنا درسًا.
حديث اليوم عن الفردوس الإسلامي الذي فقدناه، عن المأساة التي لم ير تاريخنا مثلها، اللهم إلا مأساة فلسطين، التي ستغدو لنا إن بقينا على غفلتنا وانقسامنا، أندلسًا جديدة، ولن يكون ذلك إن شاء الله مادام في السماء رب عادل، وعلى الأرض شعب مسلم.
* * *
الحديث عن أبي عبد الله الصغير، وعن سقوط الأندلس، وما هو (مع الأسف) إلا إشارات عابرة لتلكم الأحداث الجسام، وكلمات قليلة عن هاتيكم الفواجع الكبار التي ملأت صحف التاريخ أسىً وحزنًا.
نحن الآن في أواخر العهد بالأندلس، فلقد تقلص ذلك المجد المنبسط، وانزوت تلك الراية التي كانت ترفرف على أسوار طليطلة وقصور قرطبة، وعلى سيف البحر من المرية إلى برشلونة، والتي جازت جبال البرنس (البيرنة) حتى بلغت قلب فرنسا، لقد مضى ذلك كله وانقضى، فلا أمية باقية، تلوح أعلام قوادها وهي على عرش الخضراء في دمشق، أو على عرش الزهراء في قرطبة، ولا الموحدون تموج (الزلاقة) بفرسانهم الذين ينتزعون النصر من بين فكي الدهر، لقد ذهبت الدول الحاكمة القوية، فناد اليوم لا يلبك القائد عبد الرحمن الغافقي، ولا الأمير عبد الرحمن الداخل، ولا الخليفة عبد الرحمن الناصر، ولا يجبك الملك المظفر أسد الصحراء ابن تاشفين. وقد ذهبت الإمارات القوية، فما في البلاد اليوم مثل الحاجب المنصور ولا مثل ابن عباد، ما فيها إلا إمارة صغيرة حقيرة فيها عرش صغير حقير، تخر سوس الخلاف باطنه، وهدت فؤوس الأسبان جوانبه، ولا يزال أهله يتنازعون عليه، ويتقاتلون من حوله، عرش بني الأحمر في غرناطة.
* * *
أتعرفون من أين جاءت هذه الإمارة التي كتب الله أن يكون ضياع الأندلس على أيديها؟.
كانت دولة الموحدين تحكم البلاد كلها، والموحدون صحراويون أشداء، لم تكن الحضارة بترفها قد أفسدتهم يوم أقبلوا، ولا المدن بنعيمها، فكانوا ينامون بمثل عين الذئب، ويكشرون عن مثل أنياب الأسد، كانوا أسود قفر، فانجحرت منهم الذئاب، وفرت من أمامهم، فلما ذاقوا منع الحضارة، واستراحوا إلى النعيم صاروا طواويس، فاستأسدت من ضعفهم الثعالب.
وخرج عليهم ابن هود، فاقتطع لنفسه ما استطاع من بلادهم، وخرج على ابن هود ابن الأحمر، فانتزع منه ما قدر عليه من بلاده، وكان الموحدون في الأصل خارجين على الإمامة العظمى، فكانت مملكة بني الأحمر هذه، مملكة خوارج على خوارج على خوارج.
ولم ينج ابن الأحمر من أمراء كانوا أصغر منه، فخرجوا عليه، يشترون منه ملكه برأس ماله، وكان يحميهم الأسبان الذين كانوا يمدون أيديهم أبدًا من وراء ستار، فيضرمون هذه النار، فلم يجد وسيلة لاستبقاء لذة الحكم، إلا أن يبيع نفسه للشيطان، ويخضع للأسبان، ويجعل من نفسه ملكًا على المسلمين، وتابعًا لأعدائهم وكذلك يصنع حب السلطان.
وهذه مصيبتنا دائمًا، الانقسام وشهوة الحكم.
* * *
¥