وكانت المعركة الأخيرة، وبدأ الهجوم الغادر على القرى المسلمة في الضواحي، فكان منها أمثال ((دير ياسين)) و ((تل الزعتر))، وورد اللاجئون بالآلاف المؤلفة على غرناطة، وهاج الناس وماجوا يفتشون عن القائد.
والمسلمون مهما قل عددهم، ونضب موردهم وساءت حالهم، وانقطع مددهم، لا يفقدون بطولتهم ما داموا يجدون القائد الذي يقودهم في المعركة الحمراء – فلما ظهر هذا القائد وكان البطل الفارس المغوار موسى بن الغسان ورفع لهم لواء الجهاد، وسل سيف القتال، عصفت في رؤوسهم نخوة العروبة، وغلت في دمائهم عزة الإيمان وأقدموا بدافعون، ولولا ضعف أبي عبد الله الصغير، ولولا هذه الحاشية حاشية السوء، ولولا الانقسام وتدخل النساء في شؤون الملك، لبدأت هذه الفئة المجاهدة، عهدًا جديدًا في تاريخ الأندلس، قد يمتد قرونًا أُخر، وما كان طارق يوم هبط هذه الجزيرة، أقوى عدة ولا كان أكثر عددًا، ولكن كان جنده أشد اتفاقًا وطاعة، وأكثر إيمانًا.
لقد أبدى موسى وهؤلاء الأبطال المجاهدون من ضروب البطولة، وألوان التضحيات، ما لم يعرف التاريخ أعظم منه روعة، وأكثر جلالاً، لكن كانت لله إرادة في العرب والأسبان، فلم يكن لهذه التضحيات وهذه البطولات ثمرة تقطف من رياض النصر. لقد قر رأي هذه الملك الضعيف العاجز وحاشيته على التسليم وكانت الهدنة.
وعقدوا معاهدة جديدة مع الأسبان ونسوا أنهم كلما عاهدوا عهدًا نقضوه. معاهدة ظنوا أنهم سيحفظون بها للعرب أملاكهم وحريتهم في دينهم ودنياهم، فلم يكن منها إلا ما حدثكم التاريخ، وقص عليكم الرواة.
وتلفتوا يفتشون عن نصير، فلم يجدوا نصيرًا، واستجاروا بإخوانهم المسلمين فلم يلقوا مجيرًا، وكان آل عثمان في أوج سلطانهم، يحكمون ما بين خراسان وأسوار فينا، ولكن لم يلتفت إليهم السلطان سليمان عاهل آل عثمان، الذي كان يومئذ أعظم ملوك أوربة، رغم الصرخة القوية التي أطلقها الشاعر الأندلسي، فدوت في أرجاء الأرض ولا تزال تدوي في جواء الزمان.
* * *
وخرج الملك المسلم، سليل الأبطال، ليضع بين يدي عدوه أمانة القرون التي انتهت إليه، ليلقي على قدميه بكرامة المسلمين وأمجادهم، ليفتح له عاصمة ملكه، ويبيحه أبهاء الحمراء ومقاصرها، فلما تلاقيا هم بأن ينزل عن فرسه، مترجلاً أمام فردينند، فمنعه من الترجل وتقبل خضوعه واستخذاءه، ثم حوله إلى زوجته ايزابيلا فقدم إليها طاعته وولاءه. وسلمها مفاتيح غرناطة.
* * *
وانتهى هذا السفر الضخم الذي ملأناه مجدًا وفضيلة وعلمًا، فكانت خاتمته الخزي والعار، وهكذا تقوض هذا الصرح الذي أقمناه على جماجم أبطالنا، ونضحنا عليه دماء شهدائنا، ثم هدمناه بمعاول التفرق والانقسام، وشهوة الحكم وانتهاب اللذات، وهكذا انتهت في لحظة حياة ثمانمائة سنة عاشها العرب في الأندلس جعلوها فيها شعلة نور، وروضة زهر وثمر، على حين كانت أوربة صحراء موحشة، تائهة تحت سجف الظلام. وبكى أبو عبد الله بكاء الجبان الذليل فصرخت أمه عائشة: ابك مثل النساء ملكًا لم تحافظ عليه مثل الرجال.
ومشى أبو عبد الله حتى إذا بلغ تل غرناطة، وقف وتلفت ينظر من بعيد إلى شرفات القصر الذي كان منزل آبائه وملعب صباه وعرش ملكه فصار لعدوه.
فهو لن يدخل أبهاءه مرة ثانية ولن يمرح في جناته، ولن تكتحل عينه برؤية الماء يفور من نوافيره ولن يصافح أنفه ريا عبيره. وأدار رأسه، ومشى إلى الأمام يستقبل الآتي المجهول. وغابت عن عينيه أبراج الحمراء إلى الأبد.
علي الطنطاوي