كأن يقول الكاتب (على سبيل المثال): يا عباد الله يا معاشر الدعاة، لا يحملنكم اعتزازكم بالنص المعصوم الذي رفعكم الله به فوق الأمم على رد ما عند الكفار من الحق، وإنكار وجوده رأسا! فإن هذا النص نفسه فيه ما يدعونا لقبول الحق ولو جاءنا من إبليس! فلا تكن غايتكم عند تناول ما عند هؤلاء: التأصيل للرد عليهم وحسب، وإنما ليكن إلى جانب ذلك النظر فيما يفيدنا من علومهم وفلسفاتهم .. وهذا لا يتأتى لأحد من المسلمين إلا بعدما يتأكد من افتقار المخزون المعرفي السلفي لهذا الذي جاء به من عندهم، لا أن يؤتى ذاك الداعي من قبل جهله بثراء مخزوننا التراثي، فإذا به يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير من حيث لا يدري .. وليكن سعي من تأهل منكم لخوض ذاك السبيل، على نور وبصيرة بأولويات البناء العلمي والعقلي والمعرفي للفرد المسلم في الأخذ والطرح، التي هي ترتيب توقيفي لا مجال للتقديم والتأخير فيه بالرأي والهوى!

فهل يعجز إخواننا عن توضيح الكلام وبيان المراد بألفاظ واضحة تلِج إلى عقول إخوانهم طلبة العلم دون غموض، فتلقى عندهم قبولا ثم لعلها تأتي في الأخير بالثمرة المرجوة منها في بعضهم؟؟؟ لا أظن فاضلا من طلبة العلم يجنح إلى اتهمام من يصوغ كلاما بهذا الوضوح بالغمغمة الحداثية والشنشنة العصرانية ونحو ذلك! ولكن أين الثمرة بعد تقرير الداء وتشخيصه؟ أين المشروع المعرفي؟ أين مفرداته وأين التأصيل العلمي للمشتغلين به في مختلف مجالات العلوم المعاصرة؟؟ أين من يوقفنا على النافع المفيد عندهم، بحيث يكون البنيان التنظيري عند تناوله والتعامل معه - لا مجرد الدعاية إليه بكلام عام أجوف - مؤسسا على قواعد إبراهيم، مجردا من الدخن، مشفوعا بأصله الفكري والشرعي في تراثنا، قائما عليه قيام الفرع على الأصل؟؟

هذا ما لم أره إلى الآن بكل أسف، مع كثرة من آلموا رؤوسنا وأوجعوا قلوبنا بما يسمى (بالفكر الإسلامي)!

ذلك أن مسألة الأولويات في الطرح المعرفي تسبقها - وهو الأهم - مسألة النظر في شروط التأهل المعرفي والعقلي على السواء، كل مادة علمية بحسبها، إذ ليس سائر طلبة العلم على درجة واحدة في العقل والفهم وعمق النظر (وهي طبيعة البشر)! لا يكفي أن يذهب الأخ يقرأ في مؤلفات الفلاسفة والأدباء من هنا وهناك - يزهو ويفخر بحريته في المطالعة والقراءة وبما أثقل به مكتبته الخاصة من هذا - ثم تراه قد صرف من أوقاته شهورا وسنوات فيما غيره أولى منه وأنفع!

وقفت - على سبيل ضرب المثل - على مؤلفات كثيرة فيما يسمى بعلم النفس الإسلامي وأسلمة علم النفس ونحو ذلك، كتبها متخصصون في علم النفس من المسلمين قد رأوا سعة وضخامة المخزون العلمي والفلسفي عند الغرب في ذلك الباب من أبواب المعارف، وغاصوا فيها ما غاصوا، ثم قُدِّر لبعضهم أن يطالع قدرا يسيرا قليلا من تراث أمتنا في علوم النفس وفقه القلوب (من باب فضول الباحث غالبا ليس أكثر) مع حظ هزيل حقا من العلم بالقرءان والسنة والشريعة، فخرج بعضهم علينا بطرح ساذج سطَّح فيه تراثنا ومخزوننا العلمي والأصولي تسطيحا والله المستعان!

فبغض النظر عن العمق الفكري لما هو مطروح على الساحة الآن مما يسمى بأسلمة العلوم والمعارف المعاصرة: ما أهلية هذا المصنف في الإلمام بأصل التأسيس الذي جاء بدعوى البناء عليه، ووصل مسيرة المعارف المعاصرة به وصل الفرع بالأصل؟؟ وهل الأسلمة هذه ليست إلا طلاءا ندهن به سطح تلك العلوم، نحشر آية هنا وحديثا هنالك عند المناسبة، فإذا بنا قد (أسلمنا) علما من العلوم؟؟؟

قد قلت - وما زلت أقول - حققوا القدر الواجب من العلم بما عندنا أولا قبل الكلام عن علم اجتماع إسلامي وعلم نفس إسلامي وعلم اقتصاد إسلامي ... الخ! إنها نفس الإشكالية التي نعاني منها في زماننا هذا من كثير من المشتغلين ببحوث الإعجاز! رجل مهندس فاضل أو طبيب كريم وقع على آية في كتاب الله فصورت له عجمته أن فيها تقريرا لشيء عنده في مجال اختصاصه، وهو لا ناقة له ولا جمل في فهم كتاب رب العالمين والتعامل مع مراجع التفسير، فإذا به يخرج علينا بما تعلمون!

فالأمر إن لم يقم على أساس من التخصص - مع سعة القاعدة الفكرية والفلسفية ذات التأصيل الجيد على أسس الشرع المطهر عند ذاك المتخصص - وصار الكلام في تلك المجالات الفلسفية على دقتها كلأ مستباحا للأدباء والصحافيين، والمبتدئة وصغار طلبة العلم من إخواننا، فإنه لن يأتي ذلك الكلام إلا بالمتردية والنطيحة وما أكل السبع، مما لا قيمة له في سوق المعارف والعلوم! اللهم إلا إن كان الكاتب لا يروم التأصيل والتأسيس لتلك السبيل المرجوة، ولا يزيد كلامه على كونه مادة أدبية لإمتاع محبي الألغاز والأحاجي والأسمار! وحينئذ حق لنا أن نسأله: لمن كتبت هذا الكلام يا أخانا الفاضل وما غايتك منه؟

فإلينا يا عباد الله بباحث نابه حصيف على علم وتأصيل، يوقفنا على مشروع علمي فلسفي جاد - على أصول العلوم المعتبرة عند أهلها لا على طرائق الأدباء والشعراء والصحافيين - لنفع المسلمين بالسمين دون الغث والساقط مما عند القوم من المعارف والعلوم، والعودة إلى تصدير العلم على أصولنا، أصول الوحيين الشريفين، كما كان حالنا قبل قرون السقوط والانهيار!

هذا ما نريد وما ينقصنا حقا! فإذا ما جاء أحد إخواننا إلى أقرانه من الدعاة السلفيين يوقفهم على مواطن الخلل والنقص المعرفي عندهم وفي خطابهم الموجه إلى المخالفين، كلمهم بما يحسنون وبما يعقلون، ومحض لهم النصح بعبارة واضحة لا لبس فيها! أما الكتابة على قاعدة (المعنى في بطن الشاعر) في أمثال تلك النوازل الخطيرة، فليحذر ذاك الشاعر على بطنه من مرقد الدود يوم يقفل عليه باب قبره، والله المستعان!

-----------------

أطلتُ التحرير فاعذروني، وأنبه إلى أني لا أروم بما كتبتُ ههنا، الحطَّ على صاحب المقال، فإنني حقيقة لم أتشرف إلى الآن بمعرفته - وجهلي به لا يضيره، وفقه الله - وإنما تابعت حوار الإخوة الأحبة، فأردت الإفادة ببيان ما أجمله بعض الأكارم الفضلاء ممن عقبوا في هذا الشريط لأهميته التأصيلية العامة في تلك القضية الدقيقة، والله الموفق إلى الرشاد.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015