فإن المسألة الكبرى التي تغيب عن كثير من إخواننا الكرام عند دعوتهم إخوانهم السلفيين إلى النظر في خطاب العلمانيين ومخزونهم الفكري والمعرفي، إنما هي تحقيق مناط الخطاب عند توجيه تلك الدعوة!

فأنا إن كنت أريد إرشاد إخواني إلى ضرورة القراءة في مؤلفات فلان وفلان من أعلام الفلسفة والفكر الغربي المعاصر بغية تعلم كيفية هدم بنيان الباطل من داخله - كما قرأت في عبارة أحد الأفاضل ههنا - وإفادة الناس بما ينفعهم مما عند هؤلاء، فإنه لا يكون خطابي مصطبغا بصبغة هؤلاء الفلاسفة وكأني أخاطبهم، ولا يكون - وهو الخيط الرفيع الذي يحتاج إلى دقة في النظر لاستبيانه والوقوف عليه - مسبوكا في قالب يوحي بعلو كعب هؤلاء على العقلية المسلمة (أو إن شئت فقل السلفية) في سائر ضروب الفكر الفلسفي فضلا عن أصول الفكر والنظر نفسه!!!

لا ننكر سبقهم في كثير من أبواب العلم والفلسفة، ومن أنكر ذلك فهو جاهل لا يقرأ وليس له أن يكتب .. ولكن المشكلة - كل المشكلة - فيمن غرق في بضاعة القوم، ثم رجع إلينا بعقلية الباحث المفتون الذي هالته ضخامة المخزون الفلسفي الذي عند هؤلاء (وهذا واقع لا ننفيه)، فلم يدر بم يبدأ ولا من أين يكون انطلاقه، ولا كيف يرتب أولويات خطابه (إلينا نحن أولا رفاق الدرب) وراح يفيض علينا من منقول الكلام من عند هذا وذاك حتى لا تكاد تجد آية من كتاب الله في طيات كلامه، وحتى لكأنه لبس لبوس القوم ولسان حاله يقول لنا: ألم يأن للسلفيين أن يتحرروا من قوالبهم المعرفية الضيقة إلى آفاق الفلسفة الغربية الرحبة؟؟

وترى الأخ من إخواننا يصوغ الكلام في قالب أدبي براق، يغلب عليه الطابع الرمزي الإلغازي، مع أنه يزعم أنه جاء يخاطبنا - معاشر السلفيين ضيقي العطن (على حد عبارة بعضهم) - يريد إيقافنا على موضع الخلل عندنا! فأنا أسألهم إن كانوا صادقين: أين مراعاة عقلية المخاطب وخلفيته الفكرية؟؟؟ أيحسب أنه عندما يصدر مقاله بكلمة لفيلسوف ألماني ويختتمه بكلمة لأديب روسي - بغض النظر أحق تلك المقالة في نفسها أم باطل - فسيجتذب هذه الطائفة من ضيقي العطن التي يدعي أنه يريد إيقافها على علتها؟؟؟؟ وهل يفرح كتاب تلك المقالات عندما يرون الناس تتساءل في حيرة عن حقيقة مرادهم مما كتبوا؟؟؟ أهذا سبيل الحكماء أتباع المرسلين في إيصال النصح وبيان الحق للناس؟؟

الذي يريد أن يعلم المبتدئة من طلبة العلم السلفيين وأشباه العوام ونحوهم، أن الوصاية الفكرية على المحتوى المقروء قد تضرهم، فهل يقبل الله منه إطلاق هذا المعنى بلا قيد، أو حتى الإيحاء بإطلاقه هكذا (مع كونه لا يقصده)، يضعه على هيئة رمز ولغز قد يفهم منه هذا ما لا يفهمه ذاك؟؟؟

كثيرا ما أطالع أمثال هذه الكتابات من أفاضل نحسبهم على خير، ولكن حقيقة لا أخرج منها بكثير فائدة! فإن أكثرها لا يعدو أن يكون من قبيل الصدمة الحضارية التي تفتقر إلى كثير من النضج الفكري والعمق وترتيب الأولويات في التناول والعرض!!

ولعل هذا الداء نرى ثمرته واضحة فيما يأتينا به بعض إخواننا من نقولات عن القوم في سياق أطروحاتهم ومقالاتهم! تجد المنقول عند أحدهم من كلام فلان وفلان من فلاسفة الغرب لا يعدو أن يكون كلاما "يزين" به مقاله - على ركاكة ترجمته غالبا - فلا يضيف لطرحه أي إضافة تذكر، حتى بموازين الأدباء والشعراء! مع أنه لن يعجز هذا الكاتب عن أن يأتي بما هو أقوى وأبلغ وأفصح منه وأنفع من مخزون تراثنا المجيد، إن هو أمعن النظر! فكأنما جاء بهذه النقولات حتى يجاوز بها "قنطرة الثقافة" عند (النخبة المثقفة) في بلاده لا أكثر! وحتى يكون محسوبا عندهم من الذين قرأوا لفلان وفلان!

فأين الفائدة وأين النفع للمسلمين، وأين وصف الدواء لذاك الداء الذي يحلو لبعض إخواننا أن يتكلموا فيه بالنثر الأدبي والشعر المقفي وما توسطهما؟؟

إن تشخيص المشكلة - لمن أراده بلغة سهلة ينصح بها إخوانه - يمكن حصره في فقرة صغيرة، بل في عبارة مختصرة واضحة، دون إلغاز ولا إبهام ولا ترميز ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015