- و المفارقة العجيبة في نفسِ السياق، أنَّ نفس المُعلِّق يقول عن كتاب (الهادي و الهاذي): ما أجمل هذه الروح التي دافعت عن شيخِ الإسلام، و نرجوا أن يكون أمثاله كثير!
هنا دعوة تدعونا إلى النظر و التفكرّ.
- الإضاءة الأخرى هي ما قد قلته و أكرره مع مزيد رفد، أنَّ الشيخ يرى التجديد و التوسع في القراءة، و أنا معه، بل و على تعبير أحد الإخوة المتصلين بي: إنَّك أكثر تجديداً من الهدلق نفسه و أكثر تطرفاً منه في نظرته! .. و لكن ما الفارق؟
إنَّ الإكثار من النقل و الاقتباس، يصحُّ إذا كان َ لرفدِ قضيّة إيمانية أو علميّة، أما قضيّة ضيق صدر و تشكك و تجديد، أظنّها بعيدة نوعاً ما من القبول، و تكادُ تُقبل إذا لم يكن في ذاك إغراق و استغراق حتى الغَرق، و بدء المقال بحكمة غربيّة و ختمه بنفسها.
و إنْ قبلنا ذاك كلَّه، فلا بدَّ من التدرج - إني أخافُ على الناشئة يا إخوة -، و ذاك تحت قاعدة أراها استقرائيّة: إنَّ السلفيَّ إذا انفتح أصبح عقلانياًّ، كما رُويّتُ من أحدِ مشايخي، و كي لا أضرب بالحصى سآتي بأمثلة:
(1) و هذا مثال كنتُ أتحدث عنه مع أحد الأصدقاء الفضلاء من أيام، و هو (إبراهيم البليهي)، هذا الرجل قصيمي النَشْئَة و سلفي الانتساب، لكنهُ يُخبر عن نفسه الآن أنّهُ: ليبرالي الإجراءات، و إننا لنجدُ أنَّ معايير الفكر عنده منقلبه، و موازين الحق رأساً على عقب، و مآلات تقعيداته من الفساد ما فيها، و بالمختصر المفيد: رجل مريض بالحضارة الغربيّة.
(2) مثال شهير، و هو ظاهرة يجب النظر فيها: عبد الله القصيمي، و لن أتحدث عنه، لكنني سأتحدثُ عن سبب تَحطّم عقله، و تفجُّر قلبه، فقد ذهب الرجل إلى الأزهر للدراسة بعد دراسة على العلامة السعدي، دامت فأنتجت (الصراع بين الإسلام و الوثنيّة)، فبدأ يردُّ على مشايخ الأزهر، مشايخه، إذْ كانوا أشاعرة! .. - و هذا ما أسميه الشعورُ بالتأنق -، و ثم دخل إلى الفلسفة بشعورٍ متأنق و غرور فكريّ، .. فما الذي حدث؟ .. حدثَ ما تعرفون!
(3) سامر الإسلامبولي، سلفيٌّ قّح في بداياته، و الآن: عقلانيُّ ينكر حجيّة السنة، و مقالته من التهافت ما جعل الأستاذ الدكتور أكرم العمري، يعرضها كتجربةٍ حمقاء.
(4) شاب مسلم على الفطرة، درس كتاب التوحيد في المدرسة لمدة سنوات، و تشبّع بأحاديث مجتمعه المحافظة، و نشأ نشأة محافظة في مجتمع سلفي، يذهب لدراسة الكيمياء الحيوية في باريس، بعد سنين من الدراسة، أعجب بفكرةِ أًصلِ الإنسان و نشأة الجينوم البشري، حتى قال: إنَّ ما يقوله القرآن نأخذه على سبيلِ الحكاية ِ و المجاز.
أمثلة قد يقبلها البعض و قد لا يقبلها - في تدليلها على ما أخاف -، و لكنها حاثّة على النظر في أهميّة الاهتمام بالنقل ِ و الاقتباس من أجل شباب الأمّة، و لقضايا تربوية في التعامل مع الفكر و المعرفة الإنسانية.
في النهاية، ما أجمل ما قاله الأستاذ سيد قطب - رحمه الله و غفر الله - في مقدمة كتابه (العدالة الإجتماعية في الإسلام):
(في عالم الاقتصاد، لا يلجأ الفرد إلى الاستدانة، و له رصيد مذخور، قبل أن يراجع رصيده، فيرى إن كان فيه غناء، و لا تلجأ الدولة إلى الاستيراد قبل أن تراجع خزائنها، و تنظر في خاماتها و مقدراتها كذلك، أفلا يُقوّم رصيد الروح؟ وزاد الفكر و وراثات القلب و الضمير؟ كما تُقوّم السلع و الاموال في حياة الناس؟!
بلى! و لكنَّ الناس في هذا العالم الذي يطلَق عليه اسم "العالم الإسلامي"، لا تراجع رصيدها الروحي و تراثها الفكري، قبل أن تفكر في استيراد المبادئ و الخطط، و استعارة النظم و الشرائع من خلفِ السهوب و من وراءِ البحار)
و الأدب من نفسِ السبيل!
وفقَ الله الشيخ و الأستاذ الهدلق لما يحب و يرضى، و ما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، و الله وَلِيّ المسلمين.
إليّ بهذا الرأس الطاهر لأقبله!!
أخي الفاضل الحموي .. جزاك الله عن أهل هذا المكان خيرا .....
واسمح لي أن أعقب تعقيبا عاما متعلقا بمادة هذا الموضوع، لعله إن شاء الله تعالى لا يخلو من فائدة ..
¥