و لكنَّ المجازيات يصحُّ فيها أن تفهم بغير فهمِ الكاتب إذا خرجت من عنده، و لنفترض أنَّ الهدلق انتقل إلى دار الآخرة - أطال الله في عمره على طاعته، و هو افتراض -، فحينها سيحتمل ُ مقاله ما يُقبل و ما يرفض، و كيف يكون ذاك؟
- ما له علاقة بدين الكاتب، و هو واقع تحت سابقة علمٍ بدينه و إيمانه.
- ما لا علاقة له بدينه، و إنما هو من أقاويل العلم، و هذه تبقى بين أخذٍ و ردِّ إلى يوم القيامة.
و لأضرب مثالاَ على هذه:
- في مقالته: سلفيّة متجددة و الخطاب المدني، قرأتُ تعليقاً لأحدهم، يقول: و كأنَّ نَفَس الكاتب ليبرالية! و بالطبع أرفض هذا الفهم مما أعلم ُ من دينٍ الأستاذ.
- و المفارقة العجيبة في نفسِ السياق، أنَّ نفس المُعلِّق يقول عن كتاب (الهادي و الهاذي): ما أجمل هذه الروح التي دافعت عن شيخِ الإسلام، و نرجوا أن يكون أمثاله كثير!
هنا دعوة تدعونا إلى النظر و التفكرّ.
- الإضاءة الأخرى هي ما قد قلته و أكرره مع مزيد رفد، أنَّ الشيخ يرى التجديد و التوسع في القراءة، و أنا معه، بل و على تعبير أحد الإخوة المتصلين بي: إنَّك أكثر تجديداً من الهدلق نفسه و أكثر تطرفاً منه في نظرته! .. و لكن ما الفارق؟
إنَّ الإكثار من النقل و الاقتباس، يصحُّ إذا كان َ لرفدِ قضيّة إيمانية أو علميّة، أما قضيّة ضيق صدر و تشكك و تجديد، أظنّها بعيدة نوعاً ما من القبول، و تكادُ تُقبل إذا لم يكن في ذاك إغراق و استغراق حتى الغَرق، و بدء المقال بحكمة غربيّة و ختمه بنفسها.
و إنْ قبلنا ذاك كلَّه، فلا بدَّ من التدرج - إني أخافُ على الناشئة يا إخوة -، و ذاك تحت قاعدة أراها استقرائيّة: إنَّ السلفيَّ إذا انفتح أصبح عقلانياًّ، كما رُويّتُ من أحدِ مشايخي، و كي لا أضرب بالحصى سآتي بأمثلة:
(1) و هذا مثال كنتُ أتحدث عنه مع أحد الأصدقاء الفضلاء من أيام، و هو (إبراهيم البليهي)، هذا الرجل قصيمي النَشْئَة و سلفي الانتساب، لكنهُ يُخبر عن نفسه الآن أنّهُ: ليبرالي الإجراءات، و إننا لنجدُ أنَّ معايير الفكر عنده منقلبه، و موازين الحق رأساً على عقب، و مآلات تقعيداته من الفساد ما فيها، و بالمختصر المفيد: رجل مريض بالحضارة الغربيّة.
(2) مثال شهير، و هو ظاهرة يجب النظر فيها: عبد الله القصيمي، و لن أتحدث عنه، لكنني سأتحدثُ عن سبب تَحطّم عقله، و تفجُّر قلبه، فقد ذهب الرجل إلى الأزهر للدراسة بعد دراسة على العلامة السعدي، دامت فأنتجت (الصراع بين الإسلام و الوثنيّة)، فبدأ يردُّ على مشايخ الأزهر، مشايخه، إذْ كانوا أشاعرة! .. - و هذا ما أسميه الشعورُ بالتأنق -، و ثم دخل إلى الفلسفة بشعورٍ متأنق و غرور فكريّ، .. فما الذي حدث؟ .. حدثَ ما تعرفون!
(3) سامر الإسلامبولي، سلفيٌّ قّح في بداياته، و الآن: عقلانيُّ ينكر حجيّة السنة، و مقالته من التهافت ما جعل الأستاذ الدكتور أكرم العمري، يعرضها كتجربةٍ حمقاء.
(4) شاب مسلم على الفطرة، درس كتاب التوحيد في المدرسة لمدة سنوات، و تشبّع بأحاديث مجتمعه المحافظة، و نشأ نشأة محافظة في مجتمع سلفي، يذهب لدراسة الكيمياء الحيوية في باريس، بعد سنين من الدراسة، أعجب بفكرةِ أًصلِ الإنسان و نشأة الجينوم البشري، حتى قال: إنَّ ما يقوله القرآن نأخذه على سبيلِ الحكاية ِ و المجاز.
أمثلة قد يقبلها البعض و قد لا يقبلها - في تدليلها على ما أخاف -، و لكنها حاثّة على النظر في أهميّة الاهتمام بالنقل ِ و الاقتباس من أجل شباب الأمّة، و لقضايا تربوية في التعامل مع الفكر و المعرفة الإنسانية.
في النهاية، ما أجمل ما قاله الأستاذ سيد قطب - رحمه الله و غفر الله - في مقدمة كتابه (العدالة الإجتماعية في الإسلام):
(في عالم الاقتصاد، لا يلجأ الفرد إلى الاستدانة، و له رصيد مذخور، قبل أن يراجع رصيده، فيرى إن كان فيه غناء، و لا تلجأ الدولة إلى الاستيراد قبل أن تراجع خزائنها، و تنظر في خاماتها و مقدراتها كذلك، أفلا يُقوّم رصيد الروح؟ وزاد الفكر و وراثات القلب و الضمير؟ كما تُقوّم السلع و الاموال في حياة الناس؟!
بلى! و لكنَّ الناس في هذا العالم الذي يطلَق عليه اسم "العالم الإسلامي"، لا تراجع رصيدها الروحي و تراثها الفكري، قبل أن تفكر في استيراد المبادئ و الخطط، و استعارة النظم و الشرائع من خلفِ السهوب و من وراءِ البحار)
و الأدب من نفسِ السبيل!
وفقَ الله الشيخ و الأستاذ الهدلق لما يحب و يرضى، و ما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، و الله وَلِيّ المسلمين.
ـ[عراق الحموي]ــــــــ[25 - May-2010, مساء 07:40]ـ
لرفدِ قضيّة إيمانية أو علميّةمعنى: قضيّة إيمانية، ما هو من باب: الإيمان العلمي، و الاستدلال على الخالق بمخلوقاته، مما تفيده علوم الطبيعة، و العلوم الإنسانيّة، و الأقاويل الفلسفيّة المؤمنة.
¥