ولكن شيئا من الإبداع يكون حين تأتي بالسهل الممتنع، تقدمه للقارئ فيجد فيه متعة ولذة وفكرة وفائدة وجمالا ... ، فيسهل عليه أخذه والتعاطي معه، حين يرى أنك تقدم له شيئا في هذا الكون، ولكنه يصعب عليه أن يباريك في ما قدمت، حينها تجتهر عيناه وينشرح صدره وتنفتح منه مغاليق الفكر وزاوية النظر، فهو يرى في سهولة ما تناول شيئا يستطيع معرفته والتعاطي معه بالقبول أو الرفض، ويرى في صعوبة الإتيان بمثله طاقة نفسية متدفقة لا يستطيع خلقها من نفسه، إن لم تكن له بمثابة السحر والكهانة.
ذلك هو الأسلوب العربي، والمنطق العربي، والفكر العربي، حين يستقي من منابعه الصافية، ويرد موارده العذبة، حين تكون بذرته إسلامية ولها أغصان من حكمة العربية وفكر العرب، فإن الحق القديم لا يخلق لقدمه، كما أن الجديد لا يستوجب دائما الرضى لطرافته، وإن كانت الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، إلا أن من دب في الدلجة، سيجد دويا هائلا قائلا: ماذا بعشك ياحمامة فادرجي.
أي معرفة ينادى بها، وأي صوت يدعى للإصاخة لسماع أحاحه، أعربية هي النزعة أم غربية، إن بعث الفكرة لا يستلزم هذه الدعوى وهذه المعاياة، فما أظن الخطب إلا يسرا فعلام التجني، وإن أخشى ما أخشاه هي عقدة النقص، التي ربما تدب إلى قلوب البعض، فيكون خلالها كريح بين ريحين، وماهي إلا النكباء تعصف ويعصف بها.
وختاما فإن طول الحديث في مثل هذا مآله إلى جدل عقيم، وبطر للحق وغمط للناس، وكفى به من شر يأتي على كل ماهو حسن وجميل، فأجمل القول لعل صوت الضمير يخاطب وحي العقل من صاحبي، في فصول إن لم تكن حقا كلها ففيها من الحق والصواب مايكفي الواحد منها أن يدعوه لقبول النصح والإغضاء، فمحل المقت فيما رأيته من صاحبنا أدام الله سروره:
1ـ محاولة تعميق الفكرة بتعمية العبارة , بينما تكون فكرة مطروقة مطروحة إن لم تكن مبتذلة، ولا أحسبه أوتي من ضعف أو وهن علمي وإنما سؤ تقدير.
2ـ البعد عن الأسلوب العربي في الطرح، بجعل الكلام ممزقا في جمل متباينة، مع إلزام القاري بربط اللاحق بالسابق قسرا، وإن كان بينهما بون لبعض القراء، إن لم يكن في بعضها ما ينقض بعضا.
3ـ خلوا ما يكتبه من إشراقة الوحي، وكأن هذا أمرا متعمدا، وأنا حين أشكر له عدم قرن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في صفحة واحدة مع كلام كامو ودامو ومن خسروا وخابوا، لأعيب عليه استبدال الذي هو أدني بالذي هو خير، ورحمة الله على ابن فارس حين كان يعتذر في مقاييسه عن إيراد بيت من الشعر في صفحة استضاءت بآية كريمة.
4ـ وإن كان تابعا لما قبله , وهو استبدال البسملة أو الحمد له، والابتعاد عن هذه الديباجة الإسلامية العربية.
5ـ الإكثار من النقل عن الغربيين، وكأن تلك الكلمات المبعثرة والعقول المظلمة هي التي أتت بالنور للعقل والحياة، وهي وإن كان فيها أحيانا شئ من الحق، فهي نقول لا طعم فيها ولا للون عند القارئ العربي، الذي ألف البلاغة وسحر بالبيان وأساليب القرآن، ثم هي لا تعني أكثر من الغفلة عن التراث العربي الواسع الذي اكتظت به الأرفف وضاقت عنه بعض الأفهام.
6ـ ثم أخشى على أخي من التهمة، بأن هذا الإكثار في النقل والتعمية في العرض، ماهو إلا استعراض للدلالة على سعة الاطلاع، كأن من لم يقرأ لهذه الأسماء مبتور الثقافة ضيق الأفق، وكما أن أخي عبدالله تعمد الإكثار، فلعل غيره قد سبقه لمعرفتها وتركها عن علم!.
وإن في هذا لحقا وباطلا معا، مالم يتمايزا أشكل الأمر، وليس يسعفني الوقت لبيان ذلك، وفي الظن أنه قريب من الفهم إن شاء الله.
7ـ حرفة الأدب: لست أومن بهذه العبارة وما تحويه وإن كانت براقة، وقد لا كها كثير من ألسنة الأدباء والشعراء فما أتى أحد منهم بطائل، وأحسن من رأيته معللا ولوع أهل الأدب بذكرها هو الجاحظ، فكل إناء بما فيه ينضح من خير وشر وحق وباطل وإن كانت تخون المرء أحيانا العبارة، فيكون
كمن رام نفعا فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقا
وإن في سعة رحمة الله وفيض كرمه وجوده، وحسن الظن به والتوكل عليه ما يجعل المرء مجدودا في كل أمره، فلندع الناس كل الناس وحكمهم وأمثالهم وشعرهم ونثرهم وحقهم وباطلهم، ونلتفت إلى صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت نظرته للكون والحياة والناس، وكيف كان تعامله مع كل ذلك، سنجده أمرا في متناول الجميع ولن يشقى به إلا من يأباه، فالسرور والحزن والنعيم والشقاء ... مالم تكن نابعة من أعماق الإنسان، فلن تغنيه من ذلك قنية اقتناها أو عارية استعارها عما قريب تؤخذ منه أن لم يؤخذ منها، وهذه الفقرة أعني بها ضمير أخي عبدالله لا ماكتبه هنا، فليته يعي ماذكرته ولم أرد به سواه.
ثم أما بعد:
فليس هناك من خصومة مع شخص أخي الهدلق بحمد الله، بقدر ما نقل لنا هنا، ولسنا نظن به إن شاء الله إلا خيرا، فلعله يراجع الفكرة وعرضها، وقديما قال شيخنا عثمان: إني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني، وهو الذي يقول عفى الله عنه: أن المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي، وتابعه في ذلك العسكري وغيره رحم الله الجميع.
وإن كانت قضية اللفظ والمعنى محل خلاف حتى يوم الناس هذا، إلا أنها ليست محل حديثنا هنا، وإنما المقصود العقل واللسان العربيان، فمتى كان صاحبنا لنا كله ـ وإنه لكذلك إن شاء الله ـ تغاضينا عن قليله، وإن كان قليل الهدلق عندي ليس بقليل
فليتنا جميعا نترفق، فما كان الرفق في شئ إلا زانه، وهاهو صاحبنا قد دافع عن نفسه وأنه لا يعني شيئا من ذلك، فلو أقسم لنا الشيطان لصدقناه تعظيما للمقسم به، فكيف وصاحبنا لم تعرف عنه سريرة سؤ أو مجاهرة بقبح، وإنما هو الرأي فكما عبناه ومقتناه كان هناك من ينصره، وما عاتب الحر الكريم كنفسه، فسنتركه لعلمه ونفسه فهما خير واعظ له إن شاء الله.
¥