فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون .. اتقوا الله عباد الله، وتأملوا وتذكروا يوماً النقلة والرجوع إلى الله، وماذا ستقدمون عليه به ((يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) [النحل:111]، ((يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)) [الفجر:23 - 24]، تذكروا ذلكم تذكر الصادق المتعظ، تذكر من يريد إصلاح ما به من فساد، وإقامة ما به من اعوجاج، تذكروا ذلكم تذكر من يريد الاستزادة مما هو فيه من خير وبر ورشاد ممن تطلع نفسه صباحاً ومساء إلى لقاء ربها أملاً في الله بما قدمت من امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، تفرح بلقاء الله لو وافتها المنون، بخلاف من يسيئون ويعلمون ولا يعملون، يود أحدهم ألا يلقى ذلكم اليوم، ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)) [البقرة:95].
فاتقوا الله أيها الإخوة، وخذوا من قوتكم وعزكم ليوم ضعفكم وذلكم، خذوا من سعتكم وغناكم ليوم ضيقكم وفقركم، خذوا من عافيتكم وبلائكم ليوم امتحانكم وموتكم، خذوا من شبابكم لهرمكم، من فراغكم لشغلكم، خذوا ليوم تعنوا فيه الوجوه للحي القيوم، ويخيب فيه من حمل ظلماً، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون: واتقوا يوماً ستلقون فيه ربكم الذي يقول: ((يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا)) [الانشقاق:6 - 12].
تأهبوا لذلكم اليوم الذي سيقدم فيه كل للمساءلة والمحاسبة، كل فيه مهما طال عمر الإنسان، أو مهما كان أمر الإنسان، أو مهما أحيط بالإنسان من حاله، أو مهما كذب له أو تؤول له فسيوقف بين يدي الله الذي يقول: ((وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ)) [الصافات:24 - 26].
فاتقوا الله عباد الله، ((وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [الزمر:54 - 61].
نستغفرك اللهم ونتوب إليك، ونسألك أن تجعل آخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين، وأنت تغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، إنك أنت الغفور الرحيم.
الحمد لله الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من دعا بدعوته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد:
¥