فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى، وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار.
عباد الله: يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: [أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل]، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنه يقول: إذا أن أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك.
ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: [ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده].
لقد جاءت النصوص تذكر وتعظ بالموت وقصر الأمل، يقول عليه الصلاة والسلام: [أكثروا من ذكر هادم اللذات الموت]، أكثروا من ذكره بالاستعداد له، وبالتقديم لما وراءه من حساب وعقاب، أكثروا ذكره بالاستعداد بعمل كبرى الحسنات المتعدي نفعها، والباقي ذكرها، والتخلص من حقوق العباد، كونوا على أهبة له، لا تكونوا ممن ذموا بمثل قول الله سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)) [المنافقون:9 - 11]، لا تكونوا من هؤلاء وأمثالهم ممن قيل فيهم: ((قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)) [المؤمنون:99 - 100].
أعدوا أنفسكم، وهيئوها للحظة الموت، هذا هو التذكر، وهذا هو الاستعداد، ليس التذكر أن نقرأ تلكم النصوص وأعمالنا تخالفها، ليس التذكر أن نزور القبور وندفن الموتى ونرجع وقلوبنا قاسية لم يغير تذكرنا من وضعنا، ليس التذكر أن نتآكل فيما بيننا على تخوف دون أن نعظ.
فيا أيها المسلمون: إن القرآن مليء بالمواعظ، اقرءوا: ((إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)) [الواقعة:1]، اقرءوا: ((الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ)) [الحاقة:1 - 2]، اقرءوا: ((فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ)) [النازعات:34]، ((فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ)) [عبس:33]، اقرءوا ما يذكركم بالله لتأخذوا منه ما يثقل نفوسكم، ويعظ قلوبكم، ويحسن أعمالكم، لتلقوا الله راضين ومولاكم راض عنكم، تتلقاكم الملائكة: ((سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) [الرعد:24].
اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن صحابة رسولك أجمعين، وعن خلفائه، وعن جميع من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، اللهم أغثنا، اللهم يا من عم برزقه وستره حتى العصاة، نسألك اللهم أن تنزل في الأرض نازلتها، وألا تمنعه بذنوبنا، ولا بما فعل السفهاء منا.
اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، اللهم ارحمنا ولا تؤاخذنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إنا نسألك الغيث والرحمة، اللهم أنزل في الأرض نازلتها.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم عاملنا بعفوك وجودك، اللهم إننا فقراء ضعفاء مقصرون يا ذا الجلال والإكرام، نستغيث بوجهك الكريم، نستغيث بأسمائك، نسألك بأسمائك أن تغيثنا، وأن تحيي قلوبنا، وبلادنا، وألا تزيغ قلوبنا، وأن تغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.
((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) [البقرة:201]، ((رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)) [الفرقان:74]، ((رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)) [آل عمران:8].
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
¥