موعظة وذكرى -ابن قعود رحمه الله-

ـ[أبو عبد الله عادل السلفي]ــــــــ[18 - Mar-2010, صباحاً 04:10]ـ

موعظة وذكرى

عبد الله بن حسن القعود (رحمه الله)

www.alqaoud.net (http://www.alqaoud.net)

أحمده تعالى وأتوكل على الحي الذي لا يموت، وأسبح بحمده، وكفى بذنوب عباده خبيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أنزل الله تعالى عليه: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)) [الزمر:30 - 31]، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من تمسك بدينه واقتفى أثر نبيه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيقول الله جل جلاله وتقدست أسماؤه: ((مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)) [طه:55].

ويقول: ((وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا)) [نوح:17 - 18].

عباد الله: لقد أوجدنا الله تبارك وتعالى في هذه الدنيا من عدم، وأسدى علينا فيها ألواناً شتى من أنواع النعم، وأبلغنا فيها بأوامر وزواجر، وأخبرنا تعالى أننا سنموت بعد الميتة التي كتبها تعالى علينا، ثم سنحيا بعد حياة الحساب والثواب والعقاب والجزاء على ما أبلغنا به في الدنيا من أوامر وزواجر، وعلى ما كان لتلكم الأوامر والزواجر من آثار وأصداء في نفوسنا وواقع حياتنا، حياة الجزاء والحساب على ما لتلكم الأوامر والزواجر في نفوسنا من آثار وأصداء ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)) [الملك:1 - 2].

ولقد أنذرتنا بذلكم نذر الزمان، ولقد وعظتنا به من قبل مواعظ القرآن التي لو أنزلت على جبل لأريتموه خاشعاً متصدعاً، والتي كثيراً ما تقرع أسماعنا وقلوبنا قرعاً، مثل قوله تعالى: ((الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)) [القارعة:1 - 11].

ومثل قوله: ((اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)) [الأنبياء:1 - 3]، فهل من مدكر أيها الإخوة؟ هل من مدكر، فلقد جاءنا ويم الله ما فيه مزدجر، جاءنا ما ينذر ويذكر بتصرم الأيام، وتقسم الأعمار، فيد الموت كما تشاهدون مرسلة آناء الليل وآناء النهار ((وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)) [لقمان:34]، جاء ما ينذر ويحذر ويذكر، فهل من مدكر أيها الإخوة؟ فلقد جاءنا ويم الله ما فيه مزدجر، فلقد شهدت الدنيا كثيراً ممن عمروها أكثر مما عمرناها نحن، ممن كانوا فيها أعزة أقوياء قادرين على كثير مما يشاءون من إنفاق، وإصلاح، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، بل وجهاد في سبيل الله ورفع لراية الله بالنفس والمال، فتعجلتهم قبل ذلكم أحداثها، وطوتهم المنون، فحيل بينهم وبين ما يشتهون، ((فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ)) [يس:50].

وأصبحوا بعد رهن القبور ورهن اللحود، منتظرين وضع الموازين من لدن أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين الذي ((لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)) [النساء:40]، والذي يقول: ((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)) [الأنبياء:47].

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015