ـ بما تمدنا به من الطاقة! إن بدرا ليستمد نوره من فضاء تلك الأعتاب التي يجد فيها الجريح ما يضمد جروحه ويخفف أوصابه ومتاعبه ..

عاد الوسواس يدغدغ ما بين جوانحه حين حلق بخياله إلى الوراء، فذكر كيف كان يناوش بعض زملائه التلاميذ من الفرنسيين أو بعضا من الأطر الإدارية العاملة في المؤسسة، فتراه يلح في استفزاز مشاعرهم وإثارة حفيظتهم بدعاباته المشربة بسخرية لاذعة، قال لأحدهم مرة: " لم تركتم بلادكم ونزلتم في أرضنا كالجراد؟ كيف سيكون موقفكم لو داهمنا نحن بيوتكم وصرنا أوصياء على مأكلكم ومشربكم وضابطين حركاتكم وسكناتكم؟ فهل يرضيك هذا يا سليل الغرباء؟ " وذكر كيف أثار هذا الاستفزاز عواصف من الاعتراض والتنديد حركت في نفوس بعض المندسين في صفوف الطلبة كل نوازع الشر، فكانت السعاية وتعاقبت المتاعب باحتداد الفتنة، سواء في مكتب المدير عين الحاكم والكومسير أوفي مخفر البوليس. تساءل بدر في خاطره وهو شارد يختلس النظر إلى الضابط: هل يروم هذا المخلوق إيذائي؟ وإلا فما شأنه بالقرويين؟ وإلى ماذا يرمي بسؤاله هذا الذي يعدم براءة "لم تتعب نفسك وتحملها ما لا يطاق؟ " لا لا أعتقد أنه يضمر لي مكروها أو يبيت شرا، ولو كان الأمر كذلك لما توانى في الانقضاض علي وإخراجي مهانا مقرنا في الأصفاد. والحق إن بدرا لم يكن في غفلة عن تبعات مواقفه، إذ كان ذلك الهاجس يروع فؤاده ولا يبرح عقله أينما حل وارتحل، ولكن أخوف ما يخافه أن يؤذي أمه في مشاعرها إذا ما وقعت الواقعة، فيؤنبه آنئذ ضميره على ما استهان به من وصاياها الثلاث، تلك التي كانت تشيعه بها كلما حزم حقيبته وتأهب للسفر ميمما شطر عاصمة المغرب العلمية: (احذر الانزلاق في مهاوي الرذيلة والسير في مسالك الموت! .. اهتم بدروسك وجانب رفقة السوء .. ) وسرعان ما انقشعت غيوم الأوهام وعاد إلى الذهن صفاؤه وإلى النفس انشراحها، فاستطرد قائلا وهو الذي أخذ على نفسه وعدا بألا يندحر أمام هذه النماذج البشرية:

ـ وهل الانتماء إلى القرويين والنهل من منابعه جريمة؟ اللهمَ إن كان ذلك بندا من بنود شريعتكم!

ندت عن الرجل ابتسامة افتر لها فوه واقترب من الفتى كأنما يريد أن يسر له أمرا فقال بصوت خفيض "كفاك منابع مولاي إدريس التي تسقيك الماء الزلال وأرح نفسك من منابع البلادة وبؤر الدجل! " في هذه الأثناء تراجع الضابط إلى الوراء بعد أن سلم الفتى وثيقتيه، وجعل يلوح بسبابته فيما يشبه التحذير "رد بالك يا قمر! ثم نكص على عقبيه. مافتئ بدر يشيع الرجل بنظراته احتقارا، وحاول أن يهضم ما لهج به ولم ينهضم فاكتفى بأن مقته في نفسه ثم أسند رأسه إلى خلف وهو كظيم. وقبل أن يغمض عينيه تفاجأ بالشاب الذي كان جالسا يسار الشيخ الأحدب ينتقل إلى المقعد الشاغر بجنبه ويملأه بدون استئذان مخاطبا إياه:

ـ كيف اختارك القدر وسلط عليك ببغاوين نغصا عليك الرحلة؟

اتسعت عينا بدر دهشة ولاح فيهما انزعاج مشوب بإنكار كأنما يقول للشاب المتطفل "خلت أنني انتهيت من أمر ببغاوين فحط بجانبي ببغاء ثالث .. لعنة الله عليكم جميعا أبناء عيسى المتمردين!

بات بدر مترددا في أن يبقي الباب موصدا في وجه محدثه تلافيا لعواقب محتملة وإراحة للضمير أو يفسح له المجال ليصول كسابقيه؟ راح يسائل نفسه وعيناه شاخصتان في سقف الحافلة: وما أدرانا في أمر هذا الشاب الذي آثر الجلوس إلى جانبي؟ ومن عساه يكون؟ ثعبان؟! فليكن .. ولساني ميزاني نزولا عند رغبة أمي .. فكلما طاب الحديث وتشنج رسمت له حدودا ما أجدر ألا يجنح وراءها، واللبيب من عرف قدره ... جزاك الله خيرا ـ سيدي أحمد الفاسي ـ لقد علمتنا أصول الحكمة والتعقل وغرست في نفوسنا فلسفة الحذر، أنت الذي لا تفتأ تردد على مسامعنا قول الشاعر:

من استنام إلى الأشرار نام وفي ** قميصه منهم صل وثعبان

ثم التفت جهة محدثه واستفسر فيما يشبه الاستنكار:

ـ هل أشفى الببغاء الأول غليلك؟

تنفس الشاب الصعداء بعد أن بلغ قصده في استدراج الفتى إلى الحديث فرد كمن فكت عقدة لسانه بعد خرس:

ـ صراحة لم ترضني شطحاته .. لقد حز في نفسي تصرفه الأرعن في حق امرأة مسالمة! ثم استطرد كالمتسائل: ولكن ما العمل؟ الرجل طاعن في السن ولا يتمالك نفسه من ارتعاش .. (قال ذلك وهم بفتح كتاب وضعه على ركبتيه)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015