آثر بدر نهج هذا النوع من الحوار ليتسنى له بعد ذلك أن يجس النبض ويسبر الأغوار مجنبا نفسه مغبة الانسياق مع كل تيار جارف قد يلقي به في مزالق التهلكة، هو في غنى عنها اللحظة، ولكن إلى حين .. إلى حين تعلق وصية الأم .. حين يفرض مبدأ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"
ـ[محمد غالمي]ــــــــ[27 - Feb-2010, صباحاً 02:16]ـ
نفسه، ثم التفت إليه بعينين شبه زائغتين وقد اكتفى بأن ردد في خاطره .. "يعلم الله ما تنطوي عليه نفسك وما يتحرك في وعاء دماغك". كان الشاب منهمكا في تصفح كتابه حين داهمه بدر بسؤال ثان:
ـ وما رأيك في الببغاء الثاني؟
رفع الشاب رأسه مبقيا على سبابته تفصل بين دفتي الكتاب وأجاب:
ـ لا أخفي عنك سرا فقد كان الضابط فضوليا بعض الوقت، لكن سداد رأيك وصلابة موقفك وأنت تقرع الحجة بالحجة أهزأ من شطحاته وأكثر عبثا بها .. فما أخطأ السبيل من أسماك بدرا!
لم يجد الفتى من فائدة في التعليق على هذا الإطراء الموضوع في حكم المشبوه، فتوجه إلى جليسه مستفسرا بعد أن أثنى على نبل عواطفه كما يقتضي أدب الحديث:
ـ وما اسم حضرتك أنت؟
ـ أنا فيليب كمناسبة فتحدثليسي ليوطي في كازا!
ـ أنت تقيم إذن في مدينة الدار البيضاء؟
ـ لا، حاليا نقيم في تادلة .. ولكن لا أبرح الدار البيضاء إلا لماما لما لدي فيها من مآرب!
وحين سأله بدر عن طبيعة المآرب اغتنمها الآخر مناسبة فتحدث بإسهاب عن نشاطه في الحزب الشيوعي وارتباطه بنقابة الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب .. وازداد بدر يقينا وهو يختلس النظر إلى الكتاب الذي يضعه فيليب على ركبتيه فيقرأ على الغلاف"نقد الاقتصاد السياسي لكارل ماركس. بيد أن اسم تادلة الذي جرى على لسانه بعثر كل أوراقه، وكان له وقع خاص في نفسه. وفي لهفة انتفضت لها جوارحه، كمن تفاجئه بكسرة خبز وهو في ذروة السغب والظمأ، ردد متسائلا في همس وهو يتفرس في محاوره بعينين منزعجتين:
ـ تادلة؟ ألست من أقرباء السيد كوستي بائع قطع الغيار في الكانتنات؟
رد فيليب مزهوا:
ـ إنه أبي! فهل تعرفه يا هذا؟ (وأومأ ببنانه صوب الشيخ الناقم) وذاك الرجل غريمك يقيم هو الآخر في تادلة، ألم تسمع به هناك؟ إنه يدعى السيد باطيش صاحب ماكينة الدوم في "زمكيل"!
اشمأز بدر من ذكر الغريم فلم يعره اهتماما ثم أجاب برزانة مشوبة بالحذر:
ـ ومن في تادلة جميعها لا يعرف السيد كوستي التاجر والمقاول وصاحب الضيعة الحمراء .. ؟!
وقاطعه فيليب معددا بعض ممتلكات أبيه: ولنا كذلك ضيعات في آيت علي ومجاط، أما الضيعة الحمراء فهي مقر سكنانا ..
لازم الفتى بعض الصمت ساخرا من لسان محاوره المتعالي، وأشاح بوجهه صوب النافذة عن يمينه كأنما يروم تعليق الحديث والتلميح إلى الرغبة عنه، أدرك ذلك فيليب وتنبه إليه بحكم فراسته فآثر تكسير الصمت ليعيد إلى نفسه الاطمئنان ويجنبها مذلة الصد، فقال:
ـ آن لك أن تأخذ قسطا من الراحة، فالرحلة متعبة والحديث لا ينتهي ..
جعل بدر يسبح ببصره في هذا الفضاء المترامي ونسائم الأصيل المحملة بأريج الحقول تنساب غبر زجاج النافذة فتداعب أنفه وسائر حواسه. ابتهج من ظلال الأدواح السامقة، والتلال الشامخة تانحرفت جهة السمراء هنا وهناك حتى لامست الصخور الصلدة الناتئة وأطفأت وهجها. ولاحت صوادح الطير سابحة في الأجواء كأنما تعبر عن فرحة أسير فك عقاله .. ما تزال الراحلة تجد في سيرها وقد اجتازت عوائق المنعرجات، وبدا الطريق مستويا تحاصره ضيعات المعمرين من كل اتجاه؛ فهذه ضيعة المعمر لوفراني التي لا يحدها النظر وقد انتصب منزلها ذو السقف القرميدي الأحمر وسط مزارع القمح والحنطة، وتلك جهة اليمين ضيعة "شارل" وقد بدت في شساعتها كبحر تسبح في أعاليه آلة حصاد تلتهم السنابل التهاما ولا يظهر منها سوى مقصورتها المربعة، وهذا القطيع من البقر الهولندي الحلوب منبثا في الأرجاء يلس التبن والقش وبقايا الجذوع هادئا مطمئنا .. ما فتئ بدر يتملى عبر الزجاج في فردوسه شبه المفقود، فيعوج بنظراته على حقل يانع محاذ للطريق الرئيسي وقد اشتغلت في مركزه وجنباته رشاشات المياه، والمعمرة سالينا تتجول في أنحاء روضها العطر على صهوة حصانها. تفاجأ الركاب بالسائق يكبح جماح الحافلة على حين غرة فاسحا المجال لفلاحة مسنة تجوز الطريق، ما تزال تهرول وراء أتانها المحملة يقلل ماء مجلوب من بئر
¥