لم يطمئن الفتى للرجل يختال في بزة زرقاء ازدانت بأزرار ونياشين نحاسية، ومن حزامه الجلدي يتدلى مسدس لف في غشاء. كان في حدود الثلاثين من عمره، طويلا في غير إفراط، ذا جسم ضامر تضيء في وجهه عينان خضراوان. لم يعرف الفتى أي تيار جارف ألقى به في غياهب عالم من الأوهام، ولكن سرعان ما جنح بخياله هاتكا حجب تلك الأوهام، محلقا في أجواء أنفس الذكريات، فراح يستعيد أطوار آخر نشاط له في جامع القرويين توج به زادا نفيسا ما يزال مختزنا في وجدانه، تذكر مشاركته بالأمس في التجمع الاحتجاجي الذي نظمه أساتذة القرويين وطلبتهم إحياء للذكرى السادسة لإبعاد ثلة من رموز الوطنية وإجلائهم عن وطنهم. وتذكر كيف كان في مقدمة السيل العارم مرفوعا على سواعد المحتجين الذين ارتفعت حناجرهم بالتهليل والتكبير. والحق إن اليوم كان مشهودا جسد فيه حضوره كل مقومات الشخصية الفذة التي صقلت مواهبها في رحاب ثانوية مولى إدريس وجامعة القرويين. انتابه هاجس سرى في جسمه كالتيار لما استحضر جملة من الشعارات المناوئة لسلطة الحماية القائمة، وكان لا يتورع في ترديدها غير مبال بالعيون المنبثة هنالك، بيد أن ما جبل عليه من جرأة وتحد وما عهد فيه من رباطة جأش، كل ذلك أملى عليه أن يتمالك نفسه في مثل هذه الظروف الحساسة. نفض عن كاهله غبار الأوهام وما أوحت به من معاناة في الأقبية المعتمة ومكاتب الاستنطاق، واستبعد أن يكون مستهدفا فرد على موقظه ومزعج أحلامه:

ـ كيف يتسنى للنوم أن يطيب والأحلام أن تلذ داخل هذا الحمام الساخن؟ أما أحرجك العرق يغسل وجهك وسائر بدنك؟

صدرت عن الرجل ابتسامة تمج سخرية وتقطر استعلاء، إذ لمس في كلام الفتى بعض التحدي لسلطته والتطاول على شخصه، لكنه لم يجد من عزاء يعيد إليه اعتباره سوى أن رد في لهجة مستخفة تضمر سخطا وتبرما:

ـ على أي فهذه بلادكم وأنت مواليها .. حرارة ملهبة صيفا وبرد قارص شتاء ..

تعمد الفتى أن يجاريه فأجاب على التو مصعدا من لهجته:

ـ ومن أرغمكم على البقاء فيها يا هذا؟ نحن هنا وأنتم هنالك فيما وراء البحر! أليس البحر يحجز بيننا وبينكم؟

لم يستطب الضابط هذه الجرأة الموسومة بالتحدي لأنها روعت نفسه كالصاعقة، ورام التظاهر بشيء من الهدوء تخالطه استهانة فطلب منه ما يثبت هويته من وثائق ...

كان الفتى في شغل شاغل غير عابئ بالضابط يتفحص الوثيقتين، إذ سرعان ما سرح ببصره عبر زجاج النافذة يتملى في رحاب هذا العالم الرحب الذي لا تحده العين؛ فهذه النجود تجللها أشجار البلوط ونبات الحلفاء والسدر، وهذه الوهاد المحصنة بعواتي الصخور انبثت فيها الآجام التي اتخذت منها الأسد عرانين تأوي إليها، وجعلت منها الذئاب والثعالب جحورا تهرع إليها. سكنت الحركة وساد منطق الهدوء حتى الطيور التي كانت تصدح في أول النهار احتمت في أوكارها اتقاء حمَارة القيظ، ولم يعد يسمع من الأصوات إلا أزيز بعض الحشرات الذي يزداد حدة كلما احتد الهجير. ظل الفتى في أوج التملي بروعة ها المشهد يغمر سائر وجدانه حين بادر الضابط مستفسرا عما يعنيه الاسم المثبت على ظهر بطاقة التعريف! أدار الفتى رأسه على مهل صوب الرجل في استهانة دلت عليها حركات عينيه الشاخصتين المستفسرتين في رزانة كأنما يقول له: لم أفهم قصدك! ثم خاطبه متسائلا:

ـ لم تجشم نفسك عناء البحث عن طبيعة الاسم؟

أجاب ساخرا

ـ لأنه بدا لي غريبا وغير مألوف في أوساطكم كأحمد والعربي!

أبدى الفتى انشراحا ورد مستنكرا:

ـ وما وجه الغرابة في "بدر" ألا يعني ذلك الكوكب الذي يشع بنوره في هذه الأرجاء فيبدد ظلمات الليالي الداجية؟ (وهو يشير ببنانه إلى ما وراء النافذة)

قال الدركي وهو يلامس شاربه الكث:

ـ اسمك يعني القمر إذن؟ (ثم واصل وعيناه تجوسان في الوثيقة الثانية) لو تفضلت بفك هذه الرموز المستعصية!

أجاب بدر من دون مبالاة بالرجل يعيد إليه الوثيقة:

ـ إنها شهادة تقدير من إدارة القرويين!

ندت عن الضابط ابتسامة باهتة لم تنفرج لها شفتاه وقال:

ـ وما شأنك أنت والقرويين؟ ألست طالبا بثانوية مولاي إدريس كما هو مثبت على ظهر بطاقتك؟ على أي لم تتعب نفسك وتحملها ما لا يطاق؟

ـ كيف ينال مني التعب في تلك الأجواء التي تسخو وتجود؟

وتساءل الضابط باستغراب:

ـ تسخو وتجود؟ بماذا؟

ـ[محمد غالمي]ــــــــ[19 - Feb-2010, مساء 11:37]ـ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015