فإن قال قائل: لم لا يكون الزهري نسي الرواية التي فيها التفصيل، وهي محفوظة عنه كما رواها معمر؟، والجواب عن هذا أسوقه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: " فهذه فتيا الزهري في الجامد وغير الجامد، فكيف يكون قد روى في الحديث الفرق بينهما وهو يحتج على استواء حكم النوعين بالحديث ورواه بالمعنى، والزهري أحفظ أهل زمانه، حتى يقال: أنه لا يُعرف له غلط في حديث ولا نسيان، مع أنه لم يكن في زمانه أكثر حديثاً منه، ويُقال أنه حفظ على الأمة تسعين سنة لم يأت بها غيره، وقد كتب عنه سليمان بن عبدالملك كتاباً من حفظه، ثم استعاده منه بعد عام فلم يخطُ منها حرفاً، فلو لم يكن في الحديث إلا نسيان الزهري أو معمر، لكان نسبة النسيان إلى معمر أولى باتفاق أهل العلم بالرجال، مع كثرة الدلائل على نسيان معمر، وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن معمراً كثير الغلط على الزهري " الفتاوى الكبرى 1/ 26 – 27.
وقد ساق الإمام ابن رجب في " شرح العلل " جملة من الأحاديث التي أخطأ فيها معمر على الزهري، وغالبها مما سُمع منه بالبصرة، لأن كتبه لم تكن معه، انظر ص 330 من الكتاب.
وذكر البخاري في صحيحه – حديث رقم 5538 - عن سفيان بن عيينة ما يؤيد صحة الرواية المشهورة عن الزهري، فقال: قيل لسفيان: فإن معمراً يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ -، قال: ما سمعت الزهري يقول إلا: عن عبيدالله عن ابن عباس 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - عن ميمونة رضي الله عنها عن النبي (ص)، ولقد سمعته منه مراراً.
وخلاصة ما سبق أن المحفوظ هو لفظ الصحيح كما رواه بذلك عامة أصحاب الزهري، وهو ما قضى به أهل المعرفة بالحديث، وما عداه فهو وهم وخطأ.
وعليه فإن هذا الحديث أصل واضح وصريح في تسوية المائعات بالماء، وأنه لا فرق في المائع بين أن يكون جامداً أو سائلاً، قليلاً أو كثيراً، والقاعدة تؤكد أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزّل منزلة العموم في المقال، وعليه فإن استحالة النجاسة في المائع كاستحالتها في الماء، وظهورها فيه كظهورها في الماء، وهما من باب واحد، ولا وجه للفرق بينهم، ولا فرق كذلك بين المائع الذي أصله مائي وبين غيره، وقد حكم بموجب الحديث الزهري كما رواه عنه البخاري في صحيحه – حديث رقم 5539 - .
وهو قول أبي حنيفة – الفروع 1/ 93 - ، بل المشهور في مذهبه أن حكم سائر المائعات حكم الماء في النجاسة وغيره ففي الدر المختار ما نصه: " وحكم سائر المائعات كالماء في الأصح، حتى لو وقع بول في عصير لم يفسد "، وعلق عليه ابن عابدين في حاشيته بقوله: " فكل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء وهو الأصح .. وفيه في موضع آخر: وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة، يعني كل مقدار لو كان ماء تنجس، فإذا كان غيره ينجس "، انتهى كلامه – حاشية ابن عابدين 1/ 331 - 332 - ، وقال الزيلعي في تبيين الحقائق: " وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة .. وكذا لا فرق بين الماء وغيره من المائعات " – 1/ 23 - ، وذكر في بدائع الصنائع عن الكرخي قوله عن الحنفية:" أن كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء، وهكذا روى هشام عنهم، وهو أشبه بالفقه " – 1/ 79 - .
وهو اختيار الإمام البخاري – الفتح 9/ 587 - ، ورواية عن الإمام أحمد – ساقها بنصها الإمام ابن قدامة في المغني 1/ 45، وانظر الفتاوى الكبرى 1/ 23، الفروع 1/ 93، فتح الباري 9/ 587 - ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول ابن مسعود 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - - اخرجه ابن أبي شيبة في المصنف - وابن عباس 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - من الصحابة وساق عنهم الروايات في ذلك بأسانيدها – انظر تنقيح التحقيق 2/ 574 - .
وذكر الحافظ ابن حجر أنه قول ابن نافع من المالكية ويُحكى عن مالك – الفتح 9/ 587 - ، وهو قول أبي ثور كما نقله عنه ابن أبي هريرة في شرح مختصر المزني – طبقات الشافعية 2/ 78 - ، ونقله أيضاً المروذي للإمام أحمد كما ذكر ذلك الخلال في جامعه – الفتاوى الكبرى 1/ 24، طبقات الشافعية 2/ 78 - .
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – اختيارات شيخ الإسلام 1/ 128 - 130 - ، وقد طول الكلام عليه في مواضع كثيرة من الفتاوى الكبرى ومجموع الفتاوى 21/ 491 - 498، ونقل بعض ذلك مستحسناً له ابن عبدالهادي في تنقيح التحقيق وأتى فيها بأنواع الحجج والبراهين المرجحة لاختياره، واختاره كذلك ابن القيم – إعلام الموقعين 1/ 393 - 394 – وكلامه على وجازته إلا أنه نفيس.
وهذه النقول تؤكد بوضوح وهْم الإمام ابن عبدالبر وابن رشد وغيرهم ممن نقلوا الاتفاق على أن المائعات تنجس بمجرد ملاقاتها للنجاسة، ومن الغرائب أن الإمام النووي في " المجموع " نفى وقوع الخلاف في الحكم بنجاسة المائع إذا لاقته النجاسة – المجموع 1/ 176 - ، لكنه في موضع آخر لاحق – المجموع 1/ 199 – نقل عن أبي حنيفة أن المائع كالماء إذا بلغ الحد الذي يعتبرونه – وانظر طبقات الشافعية 1/ 79 - ، وهذا من غرائبه رحمه الله.
ومما يذكره أهل العلم وينبهون عليه أن نقل الاتفاق أو نفي وقوع الخلاف، لا يكفي في إثبات الإجماع، بل يجب تحريره والتدقيق فيه، فكثير من أهل العلم ينقل من حفظه، ومنهم من يُهمل ذكر بعض من تفرد بالقول في المسألة أو خالف جمهور أهل العلم، ويعد مثل ذلك خلافاً شاذاً لا يستحق الذكر، ومنهم من يُلغي خلاف الظاهرية، ومنهم – خاصة من تقدم وكان من أهل المغرب – لا يذكر خلاف الحنابلة وبعض روايات الإمام أحمد في المسألة.
والله تعالى أعلم.
¥