السنن – 5/ 336 - أن أصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك، كلهم ذكروه بلا تفريق بين المائع والجامد.

وخالفهم في ذلك معمر سنداً ومتناً فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - قال: قال رسول الله (ص): " إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه ".

وعامة الحفاظ من أصحاب الزهري على اللفظ الأول، وقد حكم بخطأ اللفظ الثاني وضعفه الحفاظ، كالبخاري والترمذي وأبي حاتم – علل ابن أبي حاتم 2/ 12 – والدارقطني في العلل وغيرهم، ونقل البخاري عن سفيان بن عيينة ما يشير إلى تخطئة رواية معمر المذكورة كما سوف يأتي.

ومعمر مع كونه من الحفاظ إلا أن في بعض حديثه عن الزهري ما يستنكر، خاصة ما رواه عنه في البصرة، كما قال الإمام أحمد عنه: " كان يتعاهد كتبه وينظر يعني باليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة "، وقال يعقوب بن شيبة: " سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه "، وقال أبو حاتم الرازي: " ما حدث به معمر بن راشد في البصرة ففيه أغاليط "، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأكثر الرواة الذين رووا هذا الحديث عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة هم البصريون كعبدالواحد بن زياد وعبدالأعلى بن عبدالأعلى الشامي ".

وفيما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية تأمل وبحث، فإن هذا الحديث وإن كان البصريون رووه عن معمر، إلا أنهم لم ينفردوا بذلك، فقد رواه عنه أيضاً أصحابه باليمن كعبدالرزاق بن همام الصنعاني أخرجه أبو داود في السنن - 3/ 364 - من طريق الحسن بن علي عنه به، وأخرجه النسائي أيضاً عن عبدالرزاق عن عبدالرحمن بن بوذويه الصنعاني أن معمراً ذكره عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - عن ميمونة عن النبي، بمثل لفظ حديث أبي هريرة 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ -، وأشار إليه الإمام أحمد في مسنده، وأيضاً أخرجه ابن حبان من طريق عبدالله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن راهويه عن سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبدالله عن ابن عباس عن ميمونة بلفظ حديث أبي هريرة 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - الذي رواه معمر.

وهذا كله من الخطأ الذي نبه عليه الحفاظ، فإن المحفوظ هو رواية الزهري كما رواها عنه عامة أصحابه، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك، وأما رواية إسحاق بن راهويه عن سفيان التي أخرجها ابن حبان فهي مما اُستغرب من حديث إسحاق، قال الإمام الذهبي - سير أعلام النبلاء 11/ 378 - : " نعم ما علمنا استغربوا من حديث ابن راهويه على سعة علمه سوى حديث واحد، وهو حديثه عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - عن ميمونه رضي الله عنها في الفأر التي وقعت في سمن، فزاد إسحاق في المتن من دون سائر أصحاب سفيان هذه الكلمة: " وإن كان ذائبا فلا تقربوه "، ولعل الخطأ فيه من بعض المتأخرين أو من روايه عن إسحاق".

وقد ذكر الدكتور عبدالله دمفو في كتابه " مرويات الإمام الزهري المعلة " ص 992 نقلاً عن محقق مسند إسحاق أن هذه الرواية عن سفيان أخرجها إسحاق في مسند ميمونة بدون الزيادة التي أثبتها ابن حبان، وهذا يقضي بصحة كلام الإمام الذهبي.

ومما يؤكد خطأ رواية معمر التي فيها التفصيل هو ما أخرجه البخاري من طريق يونس عن الزهري: سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟، قال: بلغنا أن رسول الله (ص) أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل ".

قال ابن القيم: " واحتجاجه – أي الزهري – بالحديث من غير تفصيل، دليل على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق، الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه، فهو رأيه وروايته، ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتج به، فحيث أفتى بحديث الإطلاق واحتج به، دل على أن معمراً غلط عليه في الحديث إسناداً ومتناً " تهذيب السنن 5/ 337.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015