مررنا بأجنحة الكلية فإذا بنا نلحظ بها عجبا من كثرة التحزبات والإنتماءات، تارة نجدها إسلامية، وتارة أمازيغية، وأخرى اشتراكية وأخرى ثورية ... حتى أحسست بدوار وإعياء شديدين.

ومن لطيف كلام أخينا أبي عبد الله بوعدي لي قوله: "إننا هنا نمر بالكفار والمسلمين والزنادقة فاحذر ... "

ولما صلينا العصر وخرجنا متوجهين إلى مدرج الندوة إذا بالأمن قد هجم كالسيل الجارف على الطلبة المتظاهرين، دخلنا إلى الندوة بسرعة، فإذا ببعض المتبرجات الكاسيات العاريات يدخلن إلى المدرج مكان الندوة، لا حبا في موضوعها، ولا رغبة في الاستفادة منها، وإنما هربا من رجال الأمن وضرباتهم ... فقلت في نفسي صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال مشيرا إلى اختلاف الناس في نياتهم: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه"

قلت: فقضينا يوما صاخبا، ولما عدت إلى الكلية في اليوم الموالي وجدتها عروسا تفرح بكل من استأذنها لطلب العلم، وإذنها صماتها، فعلمت حينها الفرق بين الجامعتين ... إنه الفرق بين الصمت والصخب ... والعري والحشمة ...

هذا فيما يتعلق بالجو المناسب لطلب العلم، ولا أتحدث هنا عن التميز في التحصيل، أو المستوى العلمي للطلبة والأساتذة لأنني أعلم يقينا أن بكلية ابن زهر أساتذة في المستوى الرفيع، أرى من الظلم الجلي أن نفضل عليهم بعض أساتذة كليتنا بأيت ملول.

بل إني أقولها بصراحة واضحة لا غموض فيها ولا تملق: إن بعض الأساتذة بكلية الشريعة لا علاقة لهم بالعلم الشرعي، ولا بأخلاق أهل العلم الشرعي، يصدق عليهم قول الشاعر:

ألقاب مملكة في غير موضعها ..... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

أقول هذا الكلام وأدين الله به، متحملا كامل المسؤولية فيه، ولم أكن قبل ولن أكون بعد أبدا ممن يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، صموتا عن قول الحق الأبلج، وبيان الباطل الواضح اللجلج.

وأستغفر الله من كل كلمة تسخطه وتغضبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

توديع الكلية بعد سنوات ثلاث

إنها لحظات عصيبة في حياتي، وحياة الثلة التي ودعت كلية الشريعة ولما تشبع بعد من النظر إلى مولودها "نادي الإمام مالك العلمي" ولكنها الضرورة قبحها الله تورد المرء هذه الموارد، وصدق من قال:

ولو نعطى الخيار لما افترقنا .... ولكن لا خيار مع الزمان

وإن المتأمل في تعاقب الأيام، والناظر في أحداث التاريخ وسنن الله في الكون يجد أن لكل أجل كتاب، وكل اجتماع يعقبه فراق ... وكلما تأملت في حقيقة الوداع علمت حقارة هذه الدنيا وأنها لا تساوي جناح بعوضة كما صح في الحديث.

إيه ورب الكعبة، لقد مرت أيام الكلية وذكرياتها كلمح السراب، وبقيت أطيافها تمر من عيني من حين لآخر ولسان حالي يقول:

تذكرت أياما مضت ولياليا ...... خلت فجرت من ذكرهن دموع

ألا هل لها يوما من الدهر عودة ..... وهل لي إلى وقت الوصال رجوع

وهل بعد إعراض الحبيب تواصل ........ وهل لبدور قد أفلن طلوع

لازلت أتذكر اللقاء التواصلي لسنة 2008/ 2009 الذي نظمه النادي في مطلع السنة الدراسية الجديدة تعريفا بمنهاج النادي، وفيه سلمت الرئاسة للرئيس الجديد إبراهيم بوزرع حفظه الله، يومها كنت أنظر إلى إخواني أبي البركات وأبي جعفر وأنا معهم وهم يتكلمون بكلام موثر عليه أثر الحزن والفراق ...

لكنا مع ذلك كنا نستبشر خيرا بإخواننا من الخلف الصالح، فهم أهل لتولي القيادة بعدنا، حفظهم الله ووفقهم لكل خير.

سافرت بعدها إلى مدينة آسفي للتكوين بالمركز التربوي الجهوي، فوجدت ذكر النادي وسمعته قد سبقتني إليه، فكانت هذه السنة التكوينية منعطفا آخر في حياتي، فيه من الذكريات العلمية والدعوية الشيء الكثير، فعلمت بعدها أن فراقي للنادي لم يذهب سدى بل فتح لي أبوابا من الخير والدعوة ما كنت أحسبها ولا خطرت على بالي في يوم من الأيام.

فالمسلم الغيور على دينه كالغيث حيثما حل نفع بإذن الله، فقد نظمنا طيلة العام التكويني مجموعة من الأنشطة العلمية على غرار ما ينظمه النادي العلمي، منها أيام علمية في آخر السنة تحت شعار: "التعليم بين شرف الرسالة وثقل المسؤولية"، ومن فقرات هذه الأيام:

ـ ندوة علمية تحت عنوان: "مقومات الأستاذ الناجح" من تأطير أساتذة شعبة التربية الإسلامية.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015