وكان بعض إخواننا الظرفاء يقول لي: "هل نعاني من خصاص في الرجال حتى تقوم الطالبات بالدعوة، نحن نقوم بالدعوة وهن يستفدن ويحضرن إن شئن" فقلت له: " بارك الله فيك وزادك حرصا على العمل بالسنة، ولكن أسألك بالله وأجبني بصدق كم كان عدد الصحابة؟ فقال لي: ألوفا مؤلفة فقلت: ولماذا كانت عائشة رضي الله عنها فقيهة الصحابة، وروت من الأحاديث ما فاق الألف، واستدركت عليهم علما كثيرا ... فغيرتك هذه لا محل لها، لأن الصحابة كانوا أكثر غيرة وإيمانا" فاقتنع بكلامي، واقتنع به غالب من كان يرفض تأسيسها ولله الحمد.
وبسبب هذه الاعتراضات من بعض الإخوة الفضلاء جمعت رسالة طيبة أسميتها: "الإعلام بتراجم أربعين عالمة من عالمات الإسلام" نشرت في أول معرض للنادي بعد التأسيس.
قلت في مقدمتها: "فهذه باقة طيبة لطيفة من التراجم لثلة من عالمات الإسلام، اللواتي أسهمن في نشر العلم الصحيح بين المسلمين على مر العصور. جمعتها وانتقيتها من كتب السير والتراجم والتاريخ، وأردت من وراء جمعها تقديم القدوة الصالحة، وتنبيه المرأة العفيفة المسلمة الغيورة على دين الله إلى سلفها الصالح، وإبطال دعوى طالما رددها العلمانيون والمنافقون وأذنابهم ـ لا كثرهم الله ـ وهي أن المسلمين طيلة تاريخهم ضيقوا على المرأة ومنعوها من طلب العلم، وجعلوها حبيسة البيت والطبخ والكنس ... فهذه الدعوى الكاذبة المكذوبة أوسع من الغبراء، وأكبر من أن تظلها الخضراء، يغني بطلانها عن إبطالها ويغني فسادها عن إفسادها ... دعوى يعلم تهافتها وتفاهتها من فتح كتابا واحدا من كتب التراجم والسير لما يجد مئات ـ بل ألوفا ـ من النماذج النسائية في طلب العلم والفقه والإفتاء ... "
عودا على بدء أقول: إن لجنة الطالبة بالنادي الكريم، أعطت مثالا في العطاء والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وثمراتها الطيبة لا تزال تصل إلينا وتتناهى إلى أسماعنا، وكان لها الفضل بعد فضل الله عز وجل في توجيه الطالبات ونشر الفكر الأصيل، ومحاربة الفكر الدخيل، حتى عم الحجاب ساحة الكلية، وأصبح البرقع رمزا للحشمة والحياء، بعد أن كان في ظن الكثير رمزا للتخلف والانطواء ...
فطوبى لمن حملن هم تسيير اللجنة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".
وأذكر أن أول عمل دعوي للجنة بعد التأسيس كان هو الندوة المنظمة ضمن فعاليات الأسبوع العلمي الأول تحت عنوان: "دور المرأة المسلمة في تنشئة العلماء أم الإمام مالك نموذجا"
والكلام عن أم الإمام مالك العالية بنت شريك الأزدية ـ نسبة لقبيلة الأزد المشهورة ـ له من الدلالات الشيء الكثير، فهي أمية لا تكتب ولا تقرأ، ومع ذلك كانت خير معين للإمام مالك على طلب العلم، يحكي ذلك بنفسه رحمه الله فيقول: " قلت لأمي أذهب فأكتب العلم؟ فقالت تعال فالبس ثياب العلم، فألبستني ثياباً مشمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن".
وقال رحمه الله: "كانت أمي تعممني وتقول لي اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه" ترتيب المدارك 1/ 130
قلت: وهذا الكلام مني في حق لجنة الطالبة قليل في حقها، ولست أعهد لذكرها ومدحها بما ليس فيها، فإن المادح لها قبلي أعمالها الدعوية الكثيرة التي أضحت شامة في جبين كل سنية أثرية صالحة، وصدق الشاعر حين قال:
إذا المرء لم تمدحه حسن فعاله ...... فمادحه يهذي وإن كان مفصحا
فضل كلية الشريعة على سائر الكليات
إن كلية الشريعة بأيت ملول، لا نظير لها ولا مثيل من حيث الجو الملائم لطلب العلم، ومن زار بعض الكليات الأخرى بان له هذا الأمر جليا جلاء الشمس في رابعة ورائعة النهار.
أذكر مرة أني ذهبت رفقة الأخ الفاضل إبراهيم بوعدي حفظه الله إلى جامعة ابن زهر بأكادير لحضور ندوة علمية، حاضر فيها جمع من الأساتذة الفضلاء من مختلف أنحاء المغرب منهم الشيخ زين العابدين بلافريج والشيخ عبد الله البخاري، وشيخنا محمد الوثيق وغيرهم ...
فلما دخلت من باب الجامعة رأيت سيلا من البشر، في بحر من الاختلاط والعري الفاضح فحمدت الله عز وجل على نعمة كلية الشريعة، وعلمت يقينا صدق من قال: "لا يعرف قدر النعمة إلا من حرمها"
¥