ـ[الواحدي]ــــــــ[02 - Nov-2009, مساء 06:38]ـ
(تابع)
ولن أتوقَّف عند "المدخل" الذي كتبه الشيخ عبد الله من بيانه الرابع الذي بثَّتْه إلينا وكالة "همام الحارثي"، رعاه الله كما رعى البنغالي المسكين بعد أن أوهم الشيخَ أنّه غسل سيّارته ... وظنّي أنّه كتبه مغضَبًا، فبلغنا مغاضِبًا ... والغاضب قد يهجُر، وقد يُقذِع، وقد يسيء إلى أقرب الناس إليه من حيث لا يدري ...
وذلك "المدخل" ليس مدخلاً للموضوع كما يتضح للقارئ، بل هو مدخل لحرب توهّمها الشيخ – على بعض عادته- فاستعرض أسلحته الفتّاكة، ورصيده العسكري الشبيه بـ "الصواريخ الذكيّة"، إذ "يوجعك وأنت تبتسم"! وحديثًا قيل: "كلّ ساديٍّ يظنُّ الناس كلَّهم مصابين بالمازوشية"!!
وإنّي لشاكرٌ له "تصدُّقَه" بالردّ، بعد أن تصدّق بالقراءة،؛ وكنت أشكّ أن يبصرني مرَّتين ...
بيد أنّ الذي استوقفني في ذلك "المدخل" (أخرجنا الله من عواقبه!) هو تشبيه الشيخ لنفسه بأبي الطيِّب! وكنت من قبل زعمتُ أنّ مقال الشيخ كلَّه يمكن اختصاره في هذا العنوان: "لماذ أنا أناني؟ " وكنت كتبت "نرجسي" بدل "أناني"، ثم حذفتُها. لكن وحي اللحظة المبدعة لا يخطئ غالبًا .. فها أوْرقَ النرجس وفاحت رائحته، وها هي ذي المرآة الأسطورية تُطلُّ علينا فتعمينا بضياء انعكاس وجه الشمس ... وها نحن ننتقل من علم الاجتماع إلى علم النفس ...
وذلك "المدخل" يذكِّرني بشيء ما ... يذكِّرني بتلك النظرة الاستعلائية المتغطرسة للخواجة لوبون ... ولعلّ عدواها انتقلت إلى الشيخ من حيث لا يدري، فأصبح ينظر إلى كل من لا يوافقه الرأي، أو يخدش نرجسيته، نظرته إلى البنغالي "الجبان، والنذل والمنافق"!
أُعيذها نظرات منه جائرة ...
وأعيذه من أن ينظر إلى الناس بمشاعر كهذه. ولن أترصَّدها، بل أتركها لشخصين يعرفانه تمام المعرفة، ويلازمانه باستمرار؛ وإن كان لا يعرف عنهما إلاَّ الاسم ... إذ لم أُخلَق لذلك.
(يتبع، بإذن الله)
ـ[الواحدي]ــــــــ[02 - Nov-2009, مساء 06:43]ـ
(تابع)
وأعود الآن إلى النقد الذي تفضَّل به الشيخ لما سمَّاه –توهُّمًا- قصَّة قصيرة. وأتقدم إليه بداءةً بخالص الشكر والامتنان على ما تجشّمه وتكلَّفه.
وأتمنّى لو "يتصدّق" عليَّ بتفسير بعض العبارات، فقد استغلق معناها على "شحّاتٍ" مثلي:
_ ما معنى: "تكثيف الموهبة في أسطر قليلة"؟ بمعنى آخر: "كيف تكثَّف الموهبة؟ "
_ كيف "يتدحرج القاصُّ بالصورة إلى لحظة التنوير؟ " وهل "لحظة التنوير" هي الذروة من القصة؟ أم الحضيض؟
_ لماذا قرنت بين "مصطفى محمود" و"ميخائيل نعيمة" مع أن الفارق الزمني بينهما بيِّن؟ ولماذا قدَّمتَ "مصطفى محمود" على "ميخائيل نعيمة"؟ هل تنوي إصدار معجم لكتَّاب القصة القصيرة العرب، وقد بيضتَ موادَّه، ورتّبتها ترتيبا ألفبائيًّا، ثم راجعتَه ووجدتَ "مصطفى محمود" متقدّمًا على "ميخائيل نعيمة" في الترتيب، فنقلتَ عن نفسك دون الالتفات إلى ذلك؟
أمّا بقية كلام الشيخ في نقده، فلا تعقيب لي عليه إجمالاً؛ لكنّني أُلفِت انتباهَه إلى أنّني لم أسمِّ كلامي "قصة قصيرة" ولا "أقصوصة"، حتّى يحاكمني إلى قواعد هذا الفنِّ وضوابط بنيته السردية وما إلى ذلك ... سمّيتُ كلامي "قصّة" بالمعنى الأصلي للكلمة، وتعمّدت ذلك في التسمية والأسلوب، لتأتي على نسق الرواية الناقلة للخبر دون أن يقتحمها الراوي. وسبب ذلك أنّه نقل شهادة حقيقية عن واقعة حدثت له في رومانيا، فتعمّدتُ أن يكون للقصّة الموازية نفس ملامح شهادته، حتى تكون أبلغ في النفوس وأفصَح عن المراد.
بيد أنّ ما تفضَّلَ به من ملاحظات عن "القصة القصيرة" كلام جيِّد، من شأنه أن يسعف ناشئة القصّاص والمبتدئين في كتابة الأقصوصة ... أمّا أخوكم، فلا يزعم أنّ له صلةً بهذا الفنّ، ولا يدّعي أنّه من أهله. لذا وجب أن أكتب تحذيرًا على غرار ما يُكتب عادةً في مفتتح بعض الأفلام الواقعية: "أيُّ تشابُه لهذا الكلام مع فنّ القصّة القصيرة، لا علاقة لمؤلّفه به، وليس مسؤولاً عن تبعاته."
ولي في الأخير ملاحظات، أكون بخيلاً حقًّا لو ضننتُ بهما على قارئ الموضوع:
_ لم أشر إلى قراءة رواية "الإخوة كارامازوف" لأضرب بها مثلاً في الطول، بل لأنّي أعشقها ولا أملّ قراءتها. فوجب التنبيه. (ابتسامة)
_ "البحث عن الزمن المفقود" لبروست ليست بديلاً جيِّدًا؛ فهي ليس ممّا يُقرأ في الطوابير، لتعقيد لغتها وبنيتها.
_ هيرتا مويلر: لا تستهويني، كما لا يستهويني معظَم الأدباء الحائزين على جائزة نوبل في الفترات المتأخرة. ولعلّك أدرى من أن تُذكَّر بالمعايير التي أصبحت هذه الجائزة تُمنَح وفقها. وللأستاذة ناهد ديب أن تكتب عشرات المقالات عنها إن شاءت ...
_ ستعجب إن قلتُ لك: إنّ مسيحية دوستوييفسكي هي أكثر ما يستهويني في كتابته؛ بل إنّني لأرى فيها نموذجًا لكلّ روائي يكتب ضمن رؤية وإطار الأدب الإسلامي. أمّا استنهاضه الكنيسة لاسترداد الكنيسة، فلا أثر له على جمالية أدبه. وقد كتب منذ زمن قريب جدًّا أحد خيرة الأدباء العرب مقالاً تبنّى فيه مقولة عنصريّة ضد شعب برمّته؛ لكن هذا لن يمنعنا من الإشادة بسائر ما كتب ...
_ أدباء رومانيا ومفكِّروها قرأت لهم ما كتبوه بالفرنسية (لا سيما "سيورون" الفيلسوف)، وقرأتُ ما تُرجِم لبعضهم إلى لغة الخواجة لوبون. وكانت لي علاقة صداقة ببعض من ينتمون إلى النخبة المثقفة في رومانيا، ممّن كان يحضِّر الدكتوراه في باريس ... والذي أريد قولَه أنّني كتبت ما كتبتُ عفوَ الخاطر، لم أتكلَّفه، ولم أُهندس لبنيته، ولم أُدخله المخابرَ التي تعرفها جيِّدًا ...
هذا بعض ما في الجعبة ...
وفي الختام، أشكر الشيخَ على ما تعنّاه من متابعة ونقاش. ولعلّه استبان الآن أنّه لم يدر بخلدي البتّة أن أجعله "غرضًا لقلمي" كما توهّم –والشيخ قد يتوهّم- بل سيظلّ كما كان دائمًا: غرضًا لعينيَّ وسمعي.
متّعَنا الله بالسمع والبصر، وجعلَهما الوارث منّا.
انتهى
¥