ما كان في البال أن يتطوّر الموضوع إلى هذا المدى، ولا كنت أتصوّر أنّ النقدة الصديقة تثير قلم الشيخ عبد الله، فتنقلب لهجته الجميلة الوادعة إلى نبرة شبيهة ببيانات الحرب الباردة. لكن، رُبَّ ضارَّة نافعة. وما من شيء سيّء- حتّى البنغالي الذي يسيء غسلَ السيَّارة، والطابورُ الروماني المعوجّ- إلا وله جانب حسَن نافع.

وكان من بركات هذا الموضوع أن اكتشفنا الهدلق الناقد الكامنَ في الهدلق المبدع ...

وكان منها أيضًا أن تجلّت قدرتُه على المحاكاة. والفن، في أحد تعريفاته هو: القدرة على محاكاة الطبيعة. وهذه القدرة العجيبة أعترف له بها، وأعرفها عنه منذ أن بدأت أقرأ له؛ لكن لعلّها كانت خافية عن بعض القرَّاء. فالفضل له أن تطوَّع وكشف الغطاء عنها ...

وكان من بركاتها كذلك أن أبانت عن نظرة الشيخ إلى نفسه، ونظرته إلى السلفية، وتصوّره للفعل الكتابي من حيث هو إبداع معرفي وفق تلك النظرة ...

ومنها أيضًا أن أماطت اللثام عن تعامله مع النتاج الثقافي الغربي وكيفية الاستفادة منه ...

ولن أخوض في هذه المسائل، ولن أُخضعها للنقد التحليلي كما أخضع الشيخُ عبد الله كلامًا لي، توهَّمه قصةً قصيرةً، كما توهَّم أنّ البنغالي أوهمه أنّه غسل سيارته. والشيخ قد يتوهّم ... ويقع له ألاَّ يراجع العرفانَ إلاّ توهُّما، على مذهب الخَطَفيّ ...

لن أخوض إذن في هذه المسائل، وذلك لأسباب أربعة:

_ وقف الشيخُ عبد الله قلمَه على "مشروع ثقافي"، وهو وإن كان "صغيرًا" كما وصفه الشيخ، إلاّ أنَّ غايته نبيلة. وهذا النبل الذي تشهد له مقالات الشيخ السابقة، يحجزني عن أنْ أشغله بغيره أو أصرفه إلى سواه.

_ تلك المسائل ليست من صميم الموضوع، وأخشى أن يشغلنا الالتفات إليها عن اللُّب. ولُبُّ الموضوع لا يخفى عن لبيب من طراز الشيخ، وهو لم يتطرَّق إليه إلى الآن.

_ سبق أن قلتُ: "أوصي كل قارئ لهذا المقال بألاَّ يسيء إلى الشيخ الهدلق فيكرهه"، ولن أكون أوَّل من يأتي ما نهى الناسَ عنه؛ كما أنّ الإساءة إلى الناس ليست من طبعي، ولو التقاني المسيو "لوبون" (ولك أن تقول: لُبون) لأكّد هذه الخاصِّيَّة فيَّ، ولتيقَّنتُ أنّ الشيخ عبد الله لن يتكلّم عنّي إلا بالخير ...

_ صرّح الشيخ، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّه لا يقبل الرأي الآخر ولا يصغي إليه. إذ قال: "لو أن أهل الدنياكلهم ذهبوا مذهباً لا أراه؛ لم أذهب إليه ولو نثرت نثراً .. " فما الفائدة من محاورته؟ ثم أردف كلامه قائلا:

"ومن يعرفني يعرف حقيقة ما أقول .. "!! وأكاد أقول: "صرنا لا نعرفك يا شيخ عبد الله! "

(يتبع ... )

ـ[الواحدي]ــــــــ[02 - Nov-2009, مساء 06:34]ـ

(تابع)

ولو كان جوابي كتابًا موجَّهًا إلى الشيخ عبد الله، يقرؤه وحدَه دون سواه، لسقته في ألفاظ تليق بمقامه ومستواه. لكن مقام حديثنا هذا مجلس مفتوح، تتفاوت فيه المدارك. لذا سأتجنَّب الإجمال والتجميل في الذي سأخطُّه، ولظنّي أنّ بعض سوء الفهم واللغط الذي أثيرَ حول الموضوع إنَّما علّتُه عدم إنزال المسألة منزلتها، وإلزامها حدودها.

والمسألة وما فيها أنّني عقّبتُ على مقال واحد للشيخ، واعترضتُ على بعض ما ورَد فيه. وظننتُ أنه سيبتهج لذلك، وإنْ تقديرًا للمبادرة، كما ابتهجتُ بنقده لكلام لي سمّاه قصّة قصيرة. ولست أدري ما الذي ماج وما زال يموج حول الشيخ؛ لكن غالب ظنّي أنّ بعض من لم يفهم مدار النقاش ومناطه، ضخَّمه، فآذى الشيخ.

هذا ظنّي، وبعض الظنِّ إثم ...

قال الشيخ كلامًا اعتبرتُه مخالفًا لقواعد الشرع وبديهيات العقل ومقرّرات العلم، فأوضحتُ ذلك. ولم تكن النية الاعتراض على "مشروعه الثقافي الصغير"، ولا التنديد باستحواذه على مقعد المفكّر الرسمي نيابةً عن السلفيّين، ولا التشكيك في صحّة ارتياده للثقافة "على اتساع مداها"، ولا على رصيده المعرفي ... هي "ثلاثة أسطر" كما قال، لا غير، كتبَها فاستدركت عليها. وما زال مصرًّا على صحة مضمونها، وما زلتُ موقنًا بخطئه.

وقد يتملَّك الغضبُ بعضَنا أحيانًا، فيأتي بدليل هو على التحقيق حجَّةٌ عليه! ومن ذلك ذِكر الشيخ لتفسير الألوسي قولَه تعالى: "والله يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُه". إذ المطالَب بإماطة ما عسى أن يُتوهَّم هو الشيخ، لا غير. وليس في كلامه ما يُتوهَّم، اللهمَّ إلاّ إذا تولّى قراءتَه هو، والشيخ قد يَتوهّم ... وعبارته صريحة في تأييد مقولة الخواجة لوبون (ولك أن تقرأ: لُبون) عن الشعب البنغالي. وقد حاولتُ أن أحملها على محمل غير الذي تفيده، فلم أجد إلى ذلك سبيلا. ولن يستطيع أن يجد لها تأويلاً يليق إلاّ إذا لجأ إلى قراءة غنوصية هرمسيّة ...

(يتبع، بإذن الله)

ـ[أبو فهر السلفي]ــــــــ[02 - Nov-2009, مساء 06:38]ـ

أخي الواحدي ..

عد عن ذا ..

فالشيخ عبد الله رجل حساس جداً كما هو ظاهر، وأخشى أن لو كان الله سبحانه قد ذرأه بنغالياً = لقتلته حساسيته تلك إذا قرأ مقالة عبد الله الهدلق عن عادات الشعوب ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015