جاء في كتاب "رومانيا التي رأيت" لصاحبه عبد الله. وهو كتاب لعبدٍ آخر لله، غير الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الهدلق. وبعضهم يرجِّح أنه الواحدي:

"واستبدّ بي الجوع أيّما استبداد، ولم أكن أملك إلاَّ ثمن رغيف واحد. فتوجّهت إلى المخبز، ووقفتُ في "طابور طويل معوجّ". وكان الطابور –كالعادة- فرصة سانحة لأعيد للمرّة الألف قراءة "الإخوة كارامازوف" لدوستويفسكي.

وبينا أنا كذلك، لفت انتباهي توقُّف سيارة أجرة، ونزول السائق ثم توجّهه إلى بائع الخبز ورجوعه متأبّطًا رغيفًا ساخنًا؛ أسكرتْ رائحتُه الشهيَّة أنفي، وأيقظت معدتي ... ولمّا أفقتُ مِن سُكري المغالب ليقظتي، ويقظتي المنغّصة لسكري، سألتُ أحد "الرفاق" الواقفين معي في الطابور عن سرِّ هذا الرجل، وكيف تسنّى له الحصول على الرغيف دون طابور. فأجابني: "خو شفتار سفلنسكو، ميردا تبلسكو". وهو مثل روماني مستحدَث، معناه: "مَنْ يَدفَع أكثر، يقف لوقت أقصر."

لم أستغرب هذا السلوك في بلد اسمه رومانيا، إذ رأيت له نظائر وأشباهًا في بلادنا العربية .. لكن الذي استغربتهُ حقًّا هو أنّني لمَّا استأنفتُ قراءة رواية صديقي "فيدور"، قرأتُ هذه الجملة: "لا سبيل إلى الخلاص! خذ على عاتقك آثامَ جميع البشر"!

ولمّا بلغتُ "النافذة الصغيرة" للمخبز، أخذتُ رغيفي الموعود؛ لكن لا حظت أنّ الورق الذي لُفَّ الرغيف فيه: أصفر متّسخ! فهممتُ أن أعلنها ثورة على الثوّار، وأن أقود تصحيحًا داخل "التصحيح" ... غير أنّني لمّا تأمّلت الورقة، لمحتُ أنه مكتوب عليها باللغة العربية. وقرأت المكتوب، فأدركتُ أنّه جزء من مخطوط كتاب لم يُنشَر. فعدتُ إلى صاحب المخبز، وعرضتُ عليه أن يقايضني بقايا أوراق المخطوط بمعطفي، ففعل دون أدرى تردُّد ...

جلست على مقعد من مقاعد إحدى الحدائق العموميّة في "بوخارست" الجميلة، وانكببتُ على المخطوط أتصفّح ورقاته بنَهَمٍ أنساني همَّ الجوع وهَمَّ الفقر. واهتديتُ إلى أنّ الكتاب عنوانه: "إفحام المغالي بدفع طعنه في الشعب البنغالي". أمّا المؤلِّف، فلم أجد لاسمه أثرًا، لكنّني تأكّدت من خلال تصفُّحي السريع أنه مسلم، وأنّه من خرِّيجي "جامعة الإنصاف".

وهذا بعض ما وقفتُ عليه وأعجبني من المخطوط:

/// قال صاحب الحاشية: "ولوبون تُضبَط أيضًا: "لُبُون"، بضمّ اللام متبعوةً بباء مضمومة. وإياه عنى جرير بقوله:

وابْن اللُّبُون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ --- لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيس

/// قال المحشّي: "ومن الصفات الملازمة لأبناء "لُبُون" أنهم لا يستطيعون صولةَ البُزْل، سواء كان ذلك في الفتنام، أو الجزائر، أو ثورا بورا."

/// وأضاف كاتب الحاشية: "والعرب تقول عن الشيء لا يُنتفَع به: "هو كابن "لُبُون"، لا ظَهْرَ فيُرْكَب، ولا لَبَن فيُحْلَب".

/// جاء في التقرير على الحاشية: "ولو قال "لا يُنْتفَع به، بل يَضُرُّ"، لكان ذلك أكثر مناسبةً لأحوال أبناء "لُبُون" على مرِّ العصور."

/// وجاء في الحاشية أيضًا: "وقديمًا قال سحيم بن وثيل الرّياحيّ:

عَذَرْتُ البُزْلَ إذْ هي خاطَرَتْنِي --- فما بالي وبالُ ابْنَي "لُبُون"

وماذا يَدّرِي الشُّعراء منِّي --- وقد جاوَزتُ حَدَّ الأربعين

وقد أخطأ من ظنَّ أنه قصدَ الأبيردَ وابن عمّه بقوله: "ابنَيْ لُبون"، لأنّ "لُبونًا" هذا لم يلِد إلاَّ بعد قرونٍ من وفاة الشاعر. والصواب أنّه أشار إلى صنفين من الناس، يتبع كلٌّ منهما آراء "لُبُون"؛ أحدهما ينطق بلغة موليير، والثاني ناطق بالضاد، وكلاهما لا يحقّ له أن يخاطِر البُزْلَ."

/// وفي موضع آخر، قال المحشِّي: "وقد جاء في الذِّكْر الحكيم: "وَالْخَيْلَ والبغالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً". ولم يبلغني أنَّ أحدهم صَحَّف في قراءة هذه الآية. بل لو صحَّف، وسلَّمنا بتصحيفه، لقيل له: لقد استدلّ الإمام مالك بهذه الآية على تحريم أكل لحوم الأصناف المشار إليها، والغيبة شُبِّهت بأكل لحم الغير."

/// جاء في التقرير على الحاشية: "لعلَّ مراده أنّ أحدهم -سامحه الله- صحّف لفظ "البغال". ولم نجد في كتب المتقدِّمين هذا القولَ منسوبًا إلى أحد."

ولمّا وصلتُ إلى هذا الموضع من المخطوط، شعرتُ بالبرد القارس يلسع عظامي، فغادرت مقعدي البوخارستي المهترئ، وأنا أردِّد في نفسي: مَن قال إنّ الطابور كلّه مساوئ؟!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015