ـ[الواحدي]ــــــــ[30 - Oct-2009, مساء 09:27]ـ
(تابع)
وأرى القلم الآن متأرجحًا بين الخواجة "لوبون" وذلك البنغالي المسكين.
وأصارحكم بشعوري أنني أقرب إلى ذلك البنغالي منّي إلى المسيو لوبون.
لذا سأتخلّص بكلمات من ذلك الطبيب المزيَّف، صاحب الدعاوى العريضة في التاريخ والأدب وعلم الاجتماع ... والقائمة لا تنتهي ...
كلام "لوبون" تجاوَزَه علْما "السوسيولوجية" و"الأنثربولوجية". ونظرياته لا يستعمل بعض منها إلا في علم اجتماع الاتصال، ويلجأ إليها المتخصّصون استئناسًا لا تأسيسًا. ولو صدر مثل كلام الشخ عبد الله عن مثقف فرنسي، لحوكم بتهمة العرقية والتمييز العنصري، ولكان الحكم غير قابل للاستئناف.
بل إنّ كلّ تصنيف للشعوب استنادًا إلى صفات أو مميّزات غالبة يُعتبَر هرطقةً عند علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، لافتقاده إلى أدنى شروط العلميّة، وهي: القابلية للتعميم والديمومة.
وبالمثال يتضح المقال: لمّا كان للبنغال دولة وحضارة قبل ميلاد سيّدنا عيسى، عليه السلام، بعدّة قرون، لم يكن لما نسمّيه الآن فرنسا والشعب الفرنسي وجود؛ بل كان سكّان تلك المنطقة من الدنيا هملا سدى، احتار المؤرِّخون في تصنيفهم. فمن هو الكسول؟ ومن هو النشيط؟ ومن هو المتحضِّر؟ ومن هو الهمجي؟
مثال آخر: في القرون الوسطى، اشتهر الفرنسيون بالقذارة والوساخة؛ وفي عصرنا الحالي: فرنسا هي قبلة المولعين بالعطور وأدوات الزينة، ويبدي شعبها حرصًا ظاهرًا على النظافة. فعلى أيّ الفترتين نعتمد في تصنيف هذا الشعب؟ الخواجة لوبون كتب ذلك الكلام عن الشعب البنغالي منذ أكثر من قرن، وما زال الشيخ عبد الله يردّده وكأنه حقيقية غير قابلة للنقض!
وقد استشهد أحد الإخوة بما يقال عن الشعب السعودي من أنه ذو نكتة وطرفة. والذي أعرفه أنّ المصريين هم أولى الناس بهذا الوصف، لكن لا علينا ... ولْنتخذ هذا المثال أساسًا لحديثنا:
الذي ذكره الأخ "طالب الإيمان" يندرج ضمن ما يسمّى بـ "المخيال الجمعي" ( l’imaginaire collectif) وهو مرتبط بالتمثُّلات المجتمعية ( représentations sociales). ولكل شعب مخيال جمعي حول الذات، ومخيال جمعي حول الآخر. والمخيال الجمعي حول الذات يغذيه عدّة عوامل، منها: الأحداث المؤسِّسة، والنماذج التاريخية، والقصص والأساطير الشعبية المحكية ... إلى آخره. وهو في الغالب: إيجابي، يدغدغ النرجسية الجمعية، ويُشعرها بالرضا والتفوّق والاكتفاء. ومن ذلك قول بعضهم: "لو لم أكن مصريًّا، لتمنّيتُ أن أكون مصريًّا" ...
والمخيال الجمعي عن الآخر متوقّف على علاقة الذات الجمعية بالآخر، حدّةً أو لطفًا؛ لكنّه غالبًا ما يكون سلبيًّا، لأنّ كل نقيصة في الآخر يحوّلها اللاوعي الجمعي إلى منقبة نقيضة في الذات.
ولم يسأل الأخ "طالب الإيمان" نفسه السؤال الذي مفرّ منه، وهو: كيف ينظر غير السعوديين إلى المجتمع السعودي؟
وأعفي نفسي وإياه من الجواب، لأنّ ذلك من شأنه أن يفتح الباب للعصبية، وقد أُمِرنا بتركها، لأنّها نتنة.
لذا، فإنّ كل ما نقرؤه في تراثنا من وصف تغليبي سلبي لقبيلة أو لشعب ما، إنّما مصدره "الآخر" بالنسبة لتلك القبيلة أو ذلك الشعب. والجاهل وحدَه هو من يعتقد أنّ تلك المذامّ وصفٌ يطابق الحقيقة والواقع. والأمثلة كثيرة في كتب التاريخ والبلدان والأدب ...
ومن ذلك ما ظلّ يقرع أسماعنا إلى الآن عن أهل مكة وطباعهم، ومقارنتها بطباع أهل المدينة؛ وإنّه لمن الغفلة أن نتقبّل مثل هذه الأحكام أو نقررها ...
بل إنّ الشيخ عبد الله لو تساءل عن نظرة الغير إلى أهل نجد وطباعهم، لما استسهل تكرار ما قيل عن الشعب البنغالي ...
ومنذ ما لا يقلّ عن عشر سنوات، سمعنا ما سمعنا عن الشعب الأفغاني، وبطولته، ومقاومته للمحتل عبر التاريخ. وفي كل ذلك بعض الحقيقة ... لكن للنظر الآن مَن يحكم أفغانستان؟ ومن يساعد القوات المحتلّة؟ ومَن يتجسس على شعبه لمصلحة الغرب؟ ومن يقتِّل ومن يشرِّد؟ أليسوا أفغانًا؟!
وبعد كلّ هذا، هل من الضروري العودة إلى البنغالي المسكين؟
وقد أضاف أخونا "طالب الإيمان" إلى الصفات المزجاة من جعبة الخواجة "لوبون" صفةً رابعة، وهي: الكسل.
والحق أنّه ليس بكسل، بل تحايُل. وإذا لجأ الخادم أو العامل إلى التحايل، فاسأل نفسك: هل وفيته حقه واتقيت الله فيه أم لا؟ ثم حاسبه.
وسمعنا كثيرًا عن كسل السودانيين وميلهم إلى الراحة والاسترخاء، ثم حلّت فترة اكتفى السودانيون فيها ذاتيا بمنتوجهم للقمح، بل وصدّروا منه إلى الخارج! وشعب كهذا لا يوصف بالكسل الأبدي الملازِم، وكأنه قدَر لا مفرَّ منه.
وزرتُ منذ سنوات ليبيا، ومكثت فيها عدّة أيَّام، فسمعت نفس الكلام الذي قاله الخواجة لوبون عن البنغاليين في حق المصريين والفلسطينيين. وفي لبنان تسمع النغمة نفسها عن السوريين ...
وخلاصة القول: إنّ كلاما ككلام الشيخ عبد الله قد يترخّص فيه بعضنا في مجالس السمر، استكثارًا للنوادر والطرف عن شعب ما، أو ليتخذه مدخلاً لمعرفة نظرة بعض الناس إلى بعض الشعوب. أمّا أن يُكتب بقلم كقلمه ويقيّد ويُنشَر، فهذا ما لا ترتضيه حقائق العلم وآداب الشرع.
وللشيخ مكانة خاصة في قلوبنا. وما ذكرتُ ما ذكرتُ إلا حرصًا على سموِّ هذه المكانة.
والله ولِيُّ التوفيق.
(انتهى)
¥