ـ[الواحدي]ــــــــ[30 - Oct-2009, مساء 07:58]ـ

(تابع)

وبعد أن يروي لنا قصّته مع سائق الأجرة الروماني، يختم قائلاً: "ما أشدّ تبايننا واتفاقنا". والسؤال الذي استبدّ بي لمّا قرأت هذه العبارة هو: ما الفرق بين الروماني والبنغالي؟ لماذ لا يكون ما بيننا وبين البنغالي نفس ما هو بيننا وبين الروماني؟ ولم أجد لذلك من جواب إلاّ كون البنغالي يشتغل في بلدنا، والروماني يشتغل في بلده! وهذا هو مدار الاستعلاء والتنقيص من البنغالي وشعبه. قد يكونون بشرًا أسوياء في بلدانهم، لكنّنا "نكرههم" في بلادنا، لأنهم لا ينظّفون سياراتنا على الوجه المطلوب!

ولم يسأل الشيخ نفسه عن وضع ذلك البنغالي: كم هي أجرته؟ وكم ساعة يعمل في اليوم؟ وهل هو مقيم مع عائلته أمْ منفردًأ؟ ... إلخ. فهذا لا يهم الشيخ ... الذي يهمّه هو أن لا يساء إليه.

والعجيب بعد ذلك أنّ الشيخ يواصل الحديث بعد ذلك، فيسرد العوامل التي أدّت إلى التشابه بين أمثال الشعوب وطرائفهم!! ولست أدري إن كان يعدّ البنغاليين شعبًا، أم مجرَّد أفراد يتميّزون "بالجبن والذلّ والنفاق"!

هذا عن بعض ما يمكن قوله عن مضمون المقال.

(يتبع، بإذن الله)

ـ[الواحدي]ــــــــ[30 - Oct-2009, مساء 07:59]ـ

(تابع)

ولْنعُد الآن إلى الكلام عن البنغالي المسكين، وشعبه، وتاريخه ...

الشيخ وصف نفسه "بلا مواربة"، كما قال، بأنه يكره ذلك البنغالي. ثم أراد أن يفلسف ذيّاك الكره، فاستدعى الخواجة "لوبون" ليمنحه رخصة كره البنغالي "الشغّال"، ومعه كلّ البنغاليين، منذ أن وُجِدت أرض اسمها بلاد البنغال. ولم يبخل الخواجة، ولم يتحرّج الشيخ!

ولعلّ الشيخ قرأ كتاب "لوبون"، ثم أراد أن يتأكَّد من نظريته حول البنغاليين، فراقب ذلك الشغّال البنغالي، وتوهّم أنه يوهمه أنّه غسل سيارته، فاستنتج صحّة نظرية الخواجة. وأين البنغالي الشغّال من الخواجة لوبون؟ بل كيف تصح المقارنة بين من يزور بلاد الناس ليدرس ثقافتهم وتقاليدهم، ومن يزورها فقط لأكل العيش؟ الحرب إذن غير متكافئة؛ وقد فضّل الشيخ التضحية بسمعة الشعب البنغالي كلّه بدل التشكيك في نظرية المسيو "لوبون"!

ولن يشفع له استدراكه في الهامش، الذي جاء شبيهًا بشفيع غير مؤتزر، بل هو تأكيد لنظرة "لوبون" للشعب البنغالي. فكأنّ الشيخ يستثني ذلك البنغالي المسكين من حكم عام على الشعب البنغالي، اعتبره جزءًا من المعرفة!

ومسيو "لوبون" هذا يصف كلّ بنغالي بأنّه: "يتّصف بالقِصَر، والهزال، والاسمرار، والتكرُّش"! وقد حاولتُ رسم صورة للبنغالي، أجمع فيها بين الهزال والتكرّش، فلم تسعفني المخيّلة وضنّت الموهبة ...

وهذا الوصف، ولو كان جسديًّا، فيه من نتانة العرقية والعنصرية ما فيه. تصوَّر أنَّ أحدهم يصف شعبًا ما بأنه سمين، وأنفه مفلطح، وقامته طويلة. هل يصحّ هذا الوصفى علميًّا؟ إنّ بعض أوائل المستشرقين كان يتعامل مع الشعوب، وصفًا وتصنيفًا، كما يتعامل مع مكتشفاته في عالم النبات والحيوان والآثار؛ لهذا وقعوا في مزالق فاضحة كان أوّل من نبّه إليها علماء الاجتماع في الغرب نفسه.

بل لو سلّمنا بصحّة هذا المنهج في وصف الشعوب وتصنيفها، فإنّه لا يستقيم مع الخواجة "لوبون"، لافتقاره إلى ما يسمّى "الشروط الموضوعية للملاحظة العلمية".

توضيح ذلك: عندما يأتي رجل مثل "لوبون" إلى منطقة البنغال، وهي مستعمرة بريطانية، ويخرج إلى الناس ببزّته الإفرنجية، وبرنيطته، وعصاه، ونظّارته السوداء ذات الزجاج المكثَّف، كيف ينظر إليه المواطن البنغالي؟ لا شك أنه لن يميّز بينه وبين أي بريطاني، تمامًا مثلما وضع "لوبون" البنغاليين كلهم في قالب واحد، وأصدر عليهم حكمًا واحدًا. والبنغالي لا يرى في المسيو لوبون إلا نسخة ثانية للمستر "موير"، ذلك المستشرق البريطاني الذي كان يعمل ضمن شبكة مخابرات بريطانية في بلاد البنغال. والبنغالي يكره البريطاني، لأنه احتلّ بلاده، واستنزف ثرواته، وقتل وشرد عشرات الآلاف من ذويه؛ لكنه مضطر للتعامل مع "الرجل الأبيض"، لأنّ هذا الرجل الأبيض هو الذي يتحكّم في اقتصاد البلد وسلطته السياسية. كيف إذن تتوقع سلوك البنغالي تجاه هذا المسيو، إن لم تكن مسالَمةً ومداراةً تبطِن حقدًا دفينًا؟ وهذا هو الذي أخطأ الخواجة لوبون في وصفه، فسمّاه "جبنا، وذلاًّ، ونفاقًا" ...

ولم يتساءل الخواجة عن سر هذا الانصياع والنفاق، ولا عن أعجوبة ذلك التلازم بين الهزال والتكرّش!

ولو قلَّب النظر في التاريخ القريب لتلك المنطقة، لأدرك أنّ مردَّ ذلك كلّه إلى الرجل الأبيض، الذي جاء بالمجاعة مع البارود، وبالفقر مع مظاهر الحياة الحديثة، وبتجهيل الشعب مع نظارات أهداها للنخبة ... ولا عجب بعد ذلك أن يصف المسيو "لوبون" البنغاليَّ بأنه قصير القامة، فالرجل الأبيض لا ينظر إلى الرجل الأسمر إلاّ مِن عَل ...

(يتبع، بإذن الله، بعد ساعة أو نيّف)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015