قبل أن نذهب بعيدًا في ذكر حال البنغالي، المنتمي إلى شعب يتميز "بالجبن، والذل، والنفاق" .. والذي يذكره الشيخ "دون حقد"، لكنه يكرهه ... لماذا؟ لأنه لا يغسل سيارته كما ينبغي!
هو يَكرهه، لكنه لا يحقد عليه ... ولن نحاول مجادلة أستاذ امتلكه البيان فصار له ملَكةً، وطارَد الحرفَ منذا الصبا، فأضحى الحرف أحد خدَّامه ... فجوابه ظاهر لن يحوجنا إليه فرط التقصّي أو التفصّي، وهو أنّ الكره: ضدّ الحب. وكره إنسان ما، أو شعب برمّته، لا يعني أنّك تحقد عليه؛ بل أنت "لا تحبّه"، فقط لا غير ...
قبل هذا وغيره، دعنا نتأمّل المقال كلَّه، من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه ... ولْيكُن ذلك بعين الإنصاف، لا بعيني "لوبون". وأنا متأكّد أنَّ "لوبون"، لمّا زار الهند، كان يضع نظّارة سوداء مكثَّفة الزجاج، لتقيه عدوى "الجبن والذلّ والنفاق". بيد أنّ كثافة الزجاج انتقلت –كالعدوى- إلى عقله، فحُرِم رؤية لطيف المعاني في المجتمعات الإنسانية. وحق للأستاذ الهدلق أن يصفه بالعرَّاف، لأنّ العرَّاف لا يرى شيئا، وإذا أراد ادّعاء رؤية ما، فهو لا يفعل ذلك عادةً إلاَّ مغمض العينين ...
ماذا إذن عن المقال؟
قد لا أفاجئ الشيخ إذا قلت له: إنّ ديباجة الشيخ عبد الله في هذا المقال جاءت دون مستوى أسلوب الشيخ الهدلق؛ ذلك الأسلوب الذي تعوَّدنا عليه يستحوذ على القارئ، فينسيه سِحرُه فحوى الكلام ومعناه. بل إنّه ليتلبّسك ويسلب لُبّك، فتتجاهل المضمون اكتفاءً بجمال السبك والحبك ..
وأنا أقيس أسلوب الشيخ بنبضات قلبي وتسارُعها، وتلك الدهشة التي تستولي عليّ كلّما قرأت كلامًا سهلاً ممتنعًا .. لكنّني عند قراءة هذا المقال، لم أسمع ذلك النبض الرنَّان، ولم تغْشَني تلك الدهشة الممتعة ...
وأسلوب الشيخ يذكّرنا بتلك المساحيق التجميلية الخفيفة التي كان يدرجها العقاد في بعض مقالاته، فتجذب القارئ مكرَهًا إليها، وترغمه على إعادة القراءة ليملأ عينيه بشيء من ذلك الحُسن المترجَم. ثم جاء أنيس منصور، فتقمّص تلك اللبوس؛ لكنّه أسرف في استعمال تلك المساحيق، فشوّه الوجه الذي نَشَده، وتأرجح بين البهرجة والتهريج، حتّى سئمناه وسئمنا أسلوبه المستعار ...
لكن الشيخ الهدلق أحيا النمط، ونفخ فيه من روحه، وأضاف إليه من ذاته، فأصبح لا يضاف إلاَّ إلى ذاته، وأخرجه من صيغة "الكولاج" التي ارتكس فيها أنيس منصور، وهندَس له بآليّات داخلية دقيقة، وضمّخه بأنفاس من المسك الأصيل، فأصبحت كالجينات، لا نعرفه إلاّ بها، ولا نعرفها إلاّ له:
ولم تَكُ تصلُح إلاَّ له --- ولم يَكُ يصلحُ إلاَّ لها
لذا فإنّني لا أرومها، خشية أن تزلزل الأرض زلزالها، ولو أتتني "منقادةً" "تجرّر أذيالَها" ...
غير أنّي لم أجد شيئا من الشيخ الهدلَق في مقاله هذا .. وكأنّه جاء إثر ولادة عسيرة، أو كأنّه كتبه وهو يعاني من عسر هضم. وظنّي أنّه لو سئل عن هذا المقال، لاعترف أنّه لم ير فيه نفسه ...
المقال في رأيي يفتقد إلى شيء من ذلك النمط الأسلوبي و"النبض الهدلقي" الذي اعتدناه وأدمنّاه. وأظنّ الإخوة الذين أدمنوا النظر في "الكتابة الهدلقية" -من أمثال: عبد الله العلي، ومحب الأدب، وأبي فهر- يشاطرونني الرأي.
(يتبع، بإذن الله)
ـ[الواحدي]ــــــــ[30 - Oct-2009, مساء 07:57]ـ
(تابع)
ولو شئتُ تلخيص المقال بكلمة أوكلمتين، لكتبت له عنوانًا آخر يطابقه تمام المطابقة، وهو: لماذا أنا أناني؟
لماذا؟
يبدأ الشيخ مقاله بتفسير الأشياء التي يكرهها في الحياة، فيضع لها معيارًا، وهو: أثرها السيء على نفسه. أنا أكره كلّ ما يسيء إليّ. وماذا لو كنتَ مسيئًا؟ بل ماذا لو ظننتَ إحساني إليك إساءةً؟
وذنب البنغالي المسكين أنه لم ينظِّف سيارة الشيخ على الوجه المراد. ماذا إذن لو لم يكن ذلك المنظِّف بنغاليًّا؟ ماذا لو كان مصريًّا، أو يمنيًّا، أو سوريًّا؟ بل ماذا لو كان سعوديًّا؟ هل كان الشيخ سيستنجد بالمسيو "لوبون" أو حفيده أو ابن عم خالته ليسعفه بحكم شامل صارم عن المصريين أو اليمنيين أو السوريّين أو السعوديّين؟
لذا، أوصي كلَّ قارئ لهذا المقال بألاّ يسيء إلى الشيخ الهدلق فيكرهه، وإذا كرهه فإنه سيكره قومه وشعبه وخصاله وتاريخه، مستئنسًا بقولٍ شارد لأحد خواجات القرن المنصرم ...
وبعد ذلك، ينتقل الشيخ إلى شيء آخر يكرهه، وهو "الطابور". ويحاول أن يكرِّهنا الطابور، فيرفع اسمه مقارنًا إياه بالصف. وكأنَّ الصف شيء، والطابور شيء آخر! لكن للأستاذ غرض آخر من ذلك، ألا وهو ربط الصف بالصلاة، وربط الطابور بمصالح الحياة الدنيا. ولعلّه غاب عن ذهنه أنّ كلمتي الصفّ والطابور أكثر ما تستعملان في تراثنا للدلالة على الجهاد. والجهاد ممّا يسيء ظاهرًا للنفس، مع أنّ فيه حياة القيم والشعوب ...
والعرب عرفت الصف وعرفت في زمن متأخر الطابور بمعانيهما الثلاثة، ولذا كان لها شأن في التاريخ البشري العام. وهل السنن المتعلّقة بتنظيم صلاة الجماعة، إضافةً إلى معانيها التعبُّديّة البحتة، إلا تدريب على الالتزام بما يشابهها في العلاقات الاجتماعية؟
والمتمرّد على الصف: متمرّد على النظام والجماعة. ووصفه عند الغربيين: " anarchist". وهذه الكلمة لم أجد لها مقابلاً عربيًّا يشفي الغليل، ولعلّ ذلك ناشئ عن أنّ العربي الأصيل يأبى الفوضى وينفر عنها ...
وماذا لو اضطررتَ إلى الوقوف في طابور لقضاء مصلحة ما، وكنت ممّن يكره "كلّ ما يسيء إلى نفسه"؟ الشيخ الهدلق يقترح عليك حلاًّ، أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه "ليس بذاك" ... وقد تغيب عنّا خطورة هذا الحل، إذا حصرناها في رغيف يشترى من مخبز في رومانيا؛ لكن لننقل هذه "النازلة" التي "أساءت إلى نفس الشيخ" "فكرهها" .. لننقلها من حيّزها المضيَّق، ولنقسها إلى نظائرها. ماذا لو أردت إجراء معاملة إدارية معيَّنة، وكانت هذه المعاملة لا تتم إلا بالوقوف في طابور عدّة ساعات، فأعطيتَ المشرف على هذه الإجراءات مبلغًا من المال ليعفيك من الطابور الذي "تكرهه" لأنه "يسيء إلى نفسك"؟ ماذا لو ...
الجواب أتركه للفقهاء، سواء كانوا من "البروليتاريا" أو من "أصحاب البيوتات" ...
(يتبع، بإذن الله)
¥