ـ[محب الأدب]ــــــــ[07 - Sep-2009, مساء 05:00]ـ
يتبع ...
لقد كان عصر الامة العربية في الخمسينات: عصر فقدان للهوية، فبعد سقوط الدول العثمانية التي كانت تمثل على الاقل بعدا اسلاميا وإن كان ضعيفا يربط مواطني تلك الدولة، سقط العرب من جديد في بؤرة الاستلاب الثقافي والسياسي الاستعماري، فلما تحررت بعض البلاد العربية وخاصة مصر والشام بدأت الرحلة مجددا للبحث عن هوية مفقودة. فلهذا كان الصراع شديدا بين مختلف التيارات السياسية والثقافية والدينية لملء ذلك الفراغ، فقد كان هناك الاسلام والقومية العربية والاشتراكية والناصرية وغيرها، وكانت هناك الانظمة الملكية والجمهورية والشرقية والغربية ...
فلما تبنت مصر في بداية الخمسينات الميلادية النظام الاشتراكي القومي الناصري، اراد اخواننا المصريون في خضم المنافسة الشديدة بينهم وبين التيارات الاخرى ابراز ما لمصر من تراث ثقافي ضخم وما لهم من ريادة ادبية تخولهم قيادة الامة العربية.
وفي هذا السبيل اخترعوا لنا شخصيات في كل مجال ومن ثم اهالوا على كل شخصية من آيات التبجيل والريادة ما يخول لها قيادة الامة العربية في ذلك المجال. فاخترعوا حكاية عميد الادب العربي، وحكاية امير الشعراء وحكايات اخرى يطول بنا المقام لسردها. فاختاروا لعمادة الادب العربي شخصية من نسج خيالهم سموها طه حسين،
ووضعوا لتلك الشخصية كتبا ومؤلفات يضيق عنها الحصر. ومن دهاء اخواننا المصريين انهم اختاروا هذا الاسم المركب من كلمتين محترمتين بين العرب جميعا فطه لارضاء اهل السنة لانه من اسماء محمد صلى الله عليه وسلم وحسين لارضاء الشيعة الذين يقدسون حسينا رضي الله عنه.
وقد استغل النظام الاشتراكي في مصر هذه الكتب التي نسبها الى ما يسمى بطه حسين في الاساءة الى الاسلام والقرآن، فزعموا انه قال في كتابه المنسوب اليه «في الشعر الجاهلي»: «للتوراة ان تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل، وللقرآن ان يحدثنا عنهما ايضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لاثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن اثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة اسماعيل بن ابراهيم الى مكة)».
ولعلك تلاحظ ان هذا الكلام قيل في خضم الصراع العربي ـ الاسرائيلي في الخمسينات والستينات للابتعاد عن العلاقة التاريخية التي تربط بين العرب واليهود، ولكنهم اساءوا للقرآن الكريم تلك الاساءة العظيمة كما ترى.
ومن التناقض الذي لا ينقضي منه العجب انهم نسبوا الى ما يسمى طه حسين دعوته الى اتباع الغرب وحضارته حلوها ومرها خيرها وشرها، مع انهم يزعمون معاداة الغرب في حينه ومحاربة الامبريالية. وهذا دليل آخر على فشل حبكتهم في صياغة وصناعة تلك الشخصية، فحبل الكذب قصير كما يقول المثل، فإنه من الصعوبة بمكان صناعة شخصية كبيرة بحياتها ومؤلفاتها من دون وجود خلل ما او ثغرة من الثغرات.
اما حياته المزعومة فهي مليئة بالمتناقضات. وما بني على المتناقضات فلا يمكن بقاؤه على مر الايام. فهؤلاء يزعمون تارة انه يدافع عن الاسلام وتارة يزعمون انه يسيء اليه.
تارة يزعمون انه يدافع عن العرب وتارة يزعمون انه يدعو مصر لتبتعد عن العرب لتنضم لحضارة البحر الابيض المتوسط، او لتعود الى جذورها الفرعونية.
تارة يزعمون انه متخصص في الفلسفة الاجتماعية وتارة يزعمون انه عميد الادب العربي.
تارة يزعمون انه شيخ ازهري، وتارة يزعمون انه تخرج في اشهر الجامعات الفرنسية «السوربون».
ولكنني اتحدى ان يكون تخرج في احدى الجامعات الفرنسية رجل بهذا الاسم، فقد راجعت سجلات الطلاب المتخرجين في الجامعات الفرنسية في الفترة التي زعموا انه تخرج فيها فلم اجد إلا رجلا واحدا يقال له «تاها هسين»، فلعل هؤلاء المزورين استغلوا هذا الاسم وصحفوه وصنعوا له شخصية ادبية ليمرروا كذبتهم الكبيرة على العالمين العرببي والغربي في آن ....
يتبع ....
نسيتُ أن أنبه: أن هذا الجزء من الكلام ليس للمازني، وإنما لكاتب يدعى (الرشود)، نشره قديماً في مجلة الثقافية التي يصدرها الملحق الثقافي السعودي ببريطانيا، وتجد المقال وردود أفعاله هنا:
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=21634&issueno=8084
ويبدو أن الرشود اقتبس الفكرة من المازني، فيما صرح المازني أنه اقتيس فكرة مقاله من صديقه الأستاذ العقاد، وفي هذا يقول المازني في مقدمة مقاله (طه وجنون ليلى) المنشور في كتاب قبض الريح: " كنت جالساً ذات يوم مع صديقي الأستاذ العقاد، فتذاكرنا حديث الأربعاء وصاحبه، واستطردنا إلى طريقته في البحث والتحقيق العلمي، ثم إلى سيرة مجنون ليلى، فقال العقاد: " عن أي شيء يسفر البحث يا تُرى لو نسجنا على منوال الدكتور فيما كتبه عن المجنون؟ إنه لا يبقى منه شيء كما لم يُبقِ هو شيئاً من المجنون ... " والحق أقول: أن مقترح العقاد راقني، وأن نفسي ظلت تنازعني بعد ذلك أن أتولى إمضاء هذه الفكرة، فلبثت أن أتردد حتى لم أعد استطع المقاومة، وقد أقنعت نفسي بقولي لها: أن العقاد لا يضيره أن أسطو على فكرة أو أفكار له فإنه أغنى من ذلك، وأنا أفقر من أدعها له، وإن كنتُ أَرُدُّهَا بهذا الإعلان إليه "
¥