وكان أبو العباس المبرّد (ت285هـ) إذا جاءه من يستقرئه كتاب سيبويه (ت180هـ) في النحو (بمعناه الواسع: معرفة قوانين لسان العرب) يقول له: "أركبتَ البحر؟! " .. فشبّه معالجة علم اللسان بمعالجة البحر، تشبيهَ غائب بحاضر ومسموع بمنظور وخضمّ بخضمّ.
والناس- منذ كانوا- يَرُوعهم البحر، فيحبونه إذا سجى، ويُرَوّعهم، فيخافونه إذا طغى؛ ففيه اجتمع الحبّ والخوف في آنٍ.
ولا تجرِّئهم المحبّة على الاقتحام، حتى يصدّهم عنه الخوف منه، إلا بسباحة ومرانة ومهارة وفطانة، وبسفين يمخر العُباب، ورُبّان يخبُر الأسباب، وأعوان يحاربون الأمواج ويسالمون الرياح، ويرمقون مواقع النجوم وساعة الشَّمال.
ومَن ركب البحر الرائع المريع سلّم خاضعاً لقوانينه الطاغية الثابتة، وتبرأ من أوهام الشموخ المحدودة والحماقات العابثة، ونزل به نزول الضيف على حكم المضيف، والغريب على المقيم، والضعيف على القويّ، والصغير على الكبير.
(3) واستبحار اللسان العربي وسعته وثراؤه جاءه من أنه عبَر كلّ لغات التاريخ، وجاور كلّ لغات الحاضر، وحاضرَ في كلّ نادٍ وسوق، فما تبدّلت نُظُمه ولا قوانينه، وما زاده العبور والجوار والحضور إلا صموداً وسعة وثراءً.
وأجلّ مظاهر سعة هذا اللسان وثرائه كان منذ أن وسع القرآنَ المبين، فحلّت به بركاتُ كلّ شيء، واصطبغ بصبغة الله تعالى، التي تبقى ولا تزول أبداً. كان ذلك بيّناً في حديثه الحكيم عن مشهد الحياة بكل أبعادها: الزمان والمكان والحدث؛ أما الزمان فقد وسع هذا اللسان الأزلَ والأبد والأولى والآخرة، وأما المكان فقد وسع آفاقَ السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وأما الحدث فقد وسع أنباءَ ما يجري في الغيب والشهادة.
وإذا قيل: "أسرع الطرق إلى جمع الذهب هو السفر عبر البحار" .. وهذا في جمع الثروة الماديّة. فإن جمع الثروة العقلية يكون بالارتياض أولاً في بحر اللسان واللغات، باكتشاف أسماء المسمّيات، وضبط الأشباه والنظائر، ولقط الدُّرَر والجواهر، وربط الأول بالآخِر .. وبالتأدّب- ثانياً- في بحر الشريعة .. والانطلاق- ثالثاً- في بحر الحياة .. ورابعاً في بحر الاجتهاد .. وخامساً في بحر الإبداع .. وإلا كان المرء (في بحر لجيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور). النور 40
وضيق عطَن المرء عن فهم أعماق هذا اللسان قد يجعله يجتزئ منه بُحَيْرة آسنةً، يظنها إياه؛ فيضيع خير وعلم كثير، وطيش الرأي قد يحمله على مغالبة جبال أمواجه بزعانف سمكة، يظنها تنجيه؛ فلا تحابيه السُّنَن الغلاّبة، وغباء العداوة قد يقنعه بأن نزحه قد يتحقق بطريق التسخين والتبخير!، أو أن تحليته وتصفيته تكون بالترشيح أو التقطير!، يظنها تُبلغه؛ فيكون أضحوكة القرون!.
وما أعقل الأطفال وهم يناغون شاعراً أو خطيباً! بل ما أوسع عقولهم وهم يقاربون من شاطئه ويغترفون من بحره، لمّا هدتهم فطرتهم إلى احترام ضعفهم أمام عظمته!، وما أغربهم وهم يحاولون العَوْم على الرمال، لمّا لم يجدوا من يعلمهم السباحة ويرشدهم!، وما أشد إصرارهم وهم لا يُخفون شوقهم إلى العودة إليه من جديد.
(4) ومن أحكام اللسان في هذه الأجواء: أنه لا يحيط بأحكامه إلا نبيّ مؤيّد من الله المحيط بكلّ شيء؛ وذلك أنه يخاطب به كل القرون التي يخاطبها، في كل الشؤون التي يجب أن يهتموا بها .. ولكن غير النبي لا يلزمه من ذلك الخضم الهائل من علومه إلا ما اقتضته ضرورات حياته وواجبات دينه ومؤانسات مجتمعه .. (وفوق كل ذي علم عليم). يوسف 76.
قد تسع ببصرك آفاق البحر وأنت تتملاه وتنتشي به، ولكنك تعجز أن تحمل منه بضعة دِلاء، وقد يحملها غيرك .. وقد ترث معجماً عظيماً يملأ مكتبتك أو ذاكرتك، ولا تستعمل منه إلاّ ألفاظاً معدودة، وقد يكون غيرك أبلغ، وأمهر الناس من يوغل برفق. وسبحان من تنفد الأبحر ولا تنفد كلماته!. (وقل رب زدني علماً). طه 114
وأن من يقتحم بلا دليل يوجّهه يحكم على عقله بعطَب ملكة لسانه ونقصانها من أطرافها أو بتضخم أمور منها على أخرى، وقد يبحر في أُجاج مرّ، لا ساحل له ولا قاع، والحصيلة غرق العقل في متاهات سحيقة وعُجمة القلب لا تنقطع؛ فلا يكاد يُبين، ولا يصل إلى معنى.
¥