وأنّ تلك الملكة اللسانية إذا استحكمت في العقل تدفقت بها المعاني السامية عبر الأُذنين من الجانبين، فتُلمح إلى الروح، فتنبض وتقتات وتتهذّب وتتقدّم وتسمو .. وتفيض منك بلسان واحد، فكن على ما تسمع أحرص مما تقول، فإذا قلت فليكن لسانك مرآة عقلك وقلبك وروحك.
(5) تعلّم ما قلّ ودلّ من المجملات، مقرونة بما يلزمها من تفاصيل، توصل المرء- بإذن الله- إلى المراد!؛ كما أن كوز ماء قد يرويك من ظمإ، ويكشف لك عن نِسَب البحر وقوانينه، وسباحة الشاطئ قد تروض الطفل الغرير، على التوغل، وتكرار ذلك يكسب مهارة الماهرين.
لكل علم مفتاح، يُعمله الطالب في بابه الذي يعالجه، فيَنفَتِح له! .. فإذا علمت أن اللسان أنحاء متراكبة كثيرة، وأبواب بعضها في إثر بعض، وكلّ باب موصدٌ على ما فيه، وكلُّ مفتاح لا يعمل إلا في بابه .. بدا لك أهمية ترتيب العلوم، ونسق الأبواب، واستخراج المفاتيح .. وإلا كان الوقت في ضياع والعلم في شتات.
أَمَا إن لغتنا لا زالت مستبحرة ثريّة واسعة، وإن سكنت الرياح، مراغمةً المكائد، وإن كثرت الآفات والأمراض، مبطلة كلّ دعوى أقيمت للقصاص منها أو الطعن فيها أو إبعادها من حياتنا.
ولو عجز أهل جيل عن أن يتحدثوا عنها ويصنعوا لها القواعد والأحكام ويقوّموا فساداً ظهر بها، لأنبرت بفيضها من تلقاء نفسها، تتحدث إلى الصخور بأمواجها، عن تاريخها وأسرارها وبهائها.
ــــــــــــــــــــ
(1) قال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وأولّه: "بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقد أصاب الحر، فتفرّق القوم، حتى نظرت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقربُهم منّي، قال: فدنوتُ منه، فقلتُ: يا رسول الله! أنبئني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: لقد سألتَ عن عظيم، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه؛ تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصومُ رمضان. قال: وإن شئتَ أنبأتُك بأبواب الجنة! قلتُ: أجَلْ يا رسول الله، قال: الصومُ جنة، والصدقةُ تكفِّر الخطيئة، وقيامُ الرجل في جوف الليل يبتغي وجهَ الله، قال: ثمّ قرأ هذه الآية (تتجافى جنوبُهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً وممّا رزقناهم ينفقون). قال: وإن شئتَ أنبأتُك برأس الأمر وعموده وذِرْوة سنامه! قال: قلتُ: أجلْ يا رسول الله، قال: أما رأسُ الأمر فالإسلامُ وأما عمودُه فالصلاةُ وأما ذروةُ سنامه فالجهادُ في سبيل الله. وإن شئتَ أنبأتُك بمِلاك ذلك كلِّه ... ". وأخرجه أحمد والترمذيّ وصححه والنسائيّ وابن ماجه، وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وحفظ اللسان.
(2) ديوان حافظ إبراهيم 254.
مقال نشر في موقع المنارة وجيل ليبيا 4/ 2009 م
ـ[أبو حاتم بن عاشور]ــــــــ[03 - صلى الله عليه وسلمug-2009, مساء 09:03]ـ
بارك الله فيك
موضوع طيب جزاك الله عنا خيرا
ـ[الراجية رحمة ربها الغفور]ــــــــ[06 - Sep-2009, صباحاً 12:45]ـ
اولا مبروك شهادة الماجستير رغم ان تهنئتي جاءت متاخرة شيئا ما ثمّ بارك الله فيك على ما كتبته وثبت خطاك لتكون خادما للبحر دون غيره من الشطئان
ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[06 - Sep-2009, صباحاً 03:32]ـ
أخي أبا حاتم: شكراً لمرورك وتعليقك الكريم.
أخت بن دعمر: وفيكم بارك الله وجعلنا الله من خدمة دينه.
ـ[أحمد بودبوس]ــــــــ[08 - عز وجلec-2009, صباحاً 12:50]ـ
وفقك الله لكل خير يا شيخ عصام