ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[29 - Jul-2009, صباحاً 01:09]ـ
أنا البحر .. أركبتَ البحر؟.
روى الحاكم بسنده عن معاذ بن جبل رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ... وإن شئتَ أنبأتُك بمِلاك ذلك كلِّه! فسكَتَ؛ فإذا راكبان يُوضِعان قِبَلَنا، فخشيتُ أن يشغلاه عن حاجتي، قال: فقلتُ: ما هو يا رسول الله؟ قال: فأهوى بإصبعه إلى فيه؛ قال: فقلتُ: يا رسول الله، وإنا لنؤاخذ بما نقول بألسنتنا؟ قال: ثكلتْكَ أمُّك ابنَ جَبَلٍ! هل يكُبُّ الناس على مناخرهم في جهنّم إلا حصائدُ ألسنتهم". (1)
أما بعد، فاللغة والبحر آيتان من آيات الله تعالى .. وما أكثر ما اجتمعتا في مخيّلة الناس، شاهدتين على مبلغ تشابه العظمة الكامنة فيهما معاً؛ حتى لكأنهما كفلقتي حبة، أو كصفحتي كتاب.
هداني إلى هذا ما قاله الشاعر حافظ إبراهيم، رحمه الله، متحدثاً بلسان حال العربية لمّا كسَد سوقها في هذا العصر:
أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ .. فهل سألوا الغواص عن صدفاتي. (2)
وسمّى الفيروزابادي معجم اللغة قاموساً، وهو البحر الخضمّ، وسمّوا معاجمهم: العبابَ والمحيطَ والبحرَ والعين ... وهذا من ذلك.
وقالوا في اللسان إذا كثُرت مسائله وأُحكمت: "اللغة بحر" .. وقالوا في الإنسان إذا تنوّعت مسالكه وهُذّبت: "هو بحر" .. فإذا عبروا بذلك سكن العقل إلى هذا التشبيه، وهاج إلى عقد مقابلة كَوْنيّة بينهما؛ لتجتمع حالتان متكاملان، في آيتين متناظرتين، ولا تجتمعان إلا في عظيم: حالة سكون في اضطراب وحالة اضطراب في سكون.
ألا ترى إلى ما بينهما من تشابُه في أوجُهٍ كثيرة، فهما متشابهان في: السعة والعمق والغنى والكِبَر والجمال واللّطافة والطلاقة والقوّة والدؤوب والتجدّد والتنوّع والانسجام والوصل والقطع والمدّ والجزر ... كلاهما زاخر بخيراته وبركاته، متجاذب مع ما حوله من الأرض والسماء، هادئ في تقلّباته وهيَجانه وموجه وزبده، دالٌّ بمكوناته الغضّة الطريّة على مقدرة الخالق البديع.
ومن لم يتأملها في البحر بأوصافه، فقد تغيب عنه في اللغة بسعتها، وعمق أصولها، وغنى نُظُمها، وكِبَر معجمها، وجمال ألفاظها ومعانيها، ولطافة مأخذها، وتركّب علومها، وتجدُّد أساليبها، وانسجام مهاراتها، وحركتها مع التاريخ الطويل، وأنها مع كل ذلك أصوات طرية ذوات معانٍ تعبُر الأثير.
ومن وراء اللسان الهاذر نار، وهو معنى ظاهر في الحديث الفريد الذي رواه فقيه الأمة القانت معاذ بن جبل، مسبوقاً بعَجب نبويّ من غفلة معاذ عن هذا المعنى (ثكلتك أمك يا معاذ!، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم!)، كما أن من وراء البحر الموقر ناراً موقدة ستملؤه ناراً كما امتلأ ماءً، قال تعالى: (والبحر المسجور) الطور 6، وجاء في مأثور التفسير أنه: البحر الموقر، والمُوقَد، ومثله قوله تعالى: (وإذا البحار سُجّرت) التكوير 6.
وما تحرّس الناس في ركوبهم البحر المسخّر بأولى من تحرسهم في ركوبهم بحر الكلام .. وإلا كانوا في غمرته من الهالكين، و (لا عاصم اليوم من أمر الله!). هود 43
وعذّب الله تعالى قريشاً بعذبين؛ عذبهم بأيدي المؤمنين، كما عذبهم بلسان حسان بن ثابت المؤيّد بروح القدُس جبرائيل: (والشعراء يتبهم الغاوون) الشعراء (الآيات 224 - 227)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اهجهم وروح القدس معك"؛ كما عذب ناساً بالبحر بقيادة روح القدس نفسه: (فغشيهم من اليمّ ما غشيهم) طه 78.
(2) وسمّى العرَبُ من جمع إتقان الكتابة والعَوْم: "الكامل"؛ وذلك لأن تعلّم كتابة ما ينطقه اللسان بأنواعها (وهي من أعظم مهارات اللغة) يخرج المرء من ظلمة الأمية؛ لتنفتح أمامه أبواب العلوم والحياة، وتعلّم العوم بأنواعه (وهو من أعظم مهاراتِ السعي في الأرض) يخرج المرء من ظلمة البحر؛ لتنفتح أمامه أسباب الرزق والنجاة؛ وما الحياة إلا علم نافع من الأوراق ومضطرب واسع في الآفاق. والعجب أن توازن كلّ واحدة من هاتين المهارتين العظيمتين؛ الكتابة والعَوْم، تتنادى له كلّ ملكات الإنسان الظاهرة والباطنة، فالكاتب أقوى الناس فكراً، والعوّام أقواهم بدناً، فلا جرم أن يكونا معاً كمالاً متوازناً في إنسان، وأن يسدّ بهما حاجة قومه إليهما!.
¥