جواب: لا شك في كثرة الفنون، وتنوع المعلومات، وأن الهمم تختلف، ولذلك نشاهد الجامعات ممتلئة؛ فهؤلاء يميلون إلى الأحكام وعلم الحلال والحرام، وهؤلاء يفضلون التخصص في علم العقائد والفرق والمذاهب المعاصرة، وآخرون ميلهم إلى علوم اللغة والتراجم والتاريخ والأدب، وآخرون ميلهم إلى العلوم الآلية والرياضيات ونحوها. ثم إن العامة إذا لقوا من جاوز المراحل الدراسية، وحصل على درجة عالية، اعتقدوا فيه الأهلية لكل ما يتجدد من الوقائع، ورجعوا إليه في حل المشاكل، فرضوا بحكمه في الفصل بين المتخاصمين، ورجعوا إلى قوله في الأحوال الشخصية، وطلبوا منه الجواب فيما يدور حولهم من الوقائع العلمية، سواء كانت تتعلق بالعبادات، أو بالمعاملات، أو بالأنفس أو بالأموال، ثم تراه يتجاوب معهم، ويُنَصّب نفسه للإفتاء والتعليم، ويجيب على كل ما يوجه إليه من أسئلة تتعلق بالتوحيد، أو بالأدب أو بالسّنّة، أو بالتفسير، أو بالأحكام، رغم قلة معلوماته في أكثرها، ويحمله على ذلك الخجل من رد الجواب، أو التوقف على الفتيا، مخافة الوصمة بالنقص، أو الرمي بالجهل؛ حيث إنه في مكانة مرموقة، ومنزلة من العلم رفيعة عند العامة، فهو يفتي بغير علم، ويتصدر للجواب، وهو بعيد عن الصواب. ولا شك أن هذا عين الخطأ، وأن الواجب عليه أن يحيل هذه المسائل إلى أهلها، ويعطي القوس باريها؛ فإن العلم أن يقول: الله أعلم. وقد قال بعض العلماء: (من أخطأ (لا أدري) أصيبت مقاتله)؛ وقد قال بعض الشعراء في الحث على العلم وآداب التّعلّم:
وقل إذا أعياك ذاك الأمر ما لي بما تسأل عنه خبر
فذاك شطر العلم فاعلَمَنْهُ واحذر هُديت أن تزيغَ عنه
فربما أعيا ذوي الفضائل جواب ما يلقى من المسائل
فيمسكوا بالصمت عن جوابه عند اعتراض الشك في صوابه
ولو يكون القول في القياس من فضة بيضاءَ عند الناس
إذاً لكان الصمت من عين الذهب فافهم هداك الله آداب الطلب
وقد ذكر بعض العلماء أن تدخل الإنسان في ما لا يعنيه من القول على الله بلا علم، وجعلوه أعظم إثماً من الشرك، لقول الله ـ تعالى ـ: ((قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) [الأعراف: 33]. وهذه المحرمات مرتبة على الترقي من الأخف إلى الأشد، فدل على أن القول على الله بلا علم أعظم إثماً من الشرك.
ولقد كان العلماء الأجلاء يتوقفون عند الكبير من المسائل، كما ذُكر ذلك في الشعر المذكور، وقد نقلوا عن مالك إمام دار الهجرة ـ رحمه الله تعالى ـ أنه سُئِلَ عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع منها وتوقف عن الباقي، وقال للسائلين: اذهبوا فقولوا: إن مالكاً يقول: لا أدري. وكان الإمام أحمد كثيراً ما يتوقف عن الأجوبة التي تعرض له، ويستدل بقول الله ـ تعالى ـ: ((وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)) [النحل: 116]. ثم نقول: على الجمهور أن يرجعوا في مسائلهم ومشكلاتهم إلى أهل العلم الصحيح، وأن يمتثلوا قول الله ـ تعالى ـ: ((فَاسْأََلُوا أََهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [النحل: 43] فأهل الذكر هم حملة علم الشريعة الذين توغلوا في علم الأحكام، وبحثوا في مسائل الحلال والحرام، وقد يسر الله الاتصال بهم بأسهل الطرق؛ فقد تقاربت البلاد، ويسر الله المواصلات السريعة التي تقطع المسافات البعيدة في زمن قصير، كما يسر الاتصال الهاتفي للقريب والبعيد، وتيسر الرجوع إلى الفتاوى المطبوعة والمسجلة، والرجوع إلى الإذاعة الإسلامية، سيما برنامج (نور على الدرب)، وما أشبهه، فعلى هذا لا يجوز لغير العالم بالأحكام التدخل في جوانبها، ولو كان واعظاً، أو خطيباً أو مدرساً أو داعية، حتى يطّلع على العلوم الشرعية، ويعرف الحق بدليله، ويعرف الراجح من المسائل الخلافية، ويتصور أسباب الخلاف بين المذاهب والعلماء، كما لا يجوز للعالم الرباني أن يكتم العلم، ويتوقف عن الجواب الذي يعرفه؛ فقد ورد الوعيد الشديد على كتمان العلم، وأن الذين يكتمونه يلعنهم الله
¥