ويلعنهم اللاعنون، ومن سُئل عن علم فكتمه أُلجِمَ يوم القيامة بلجام من النار، ولا يجوز للعامة الرجوع إلى حملة الشهادات التي لا تؤهل للفتيا في المسائل الخلافية، كمسائل الطلاق، والتيمم، ومسح الجوارب، ومفطرات الصائم، وواجبات الحج، ونحوها، بل يوجهون هذه المسائل إلى أهل التخصص والمعرفة بها، ليصدروا عن علم ويعملوا على بصيرة. والله أعلم.
14 - تتزاحم الأولويات في مخاطبة الناس، فيقع بعض المصلحين في حيرة أو اضطراب؛ فحبذا لو جلّيتم الخطوط العريضة في هذا المجال؟
جواب: لا شك أن الناس يختلفون في المفاهيم، وفي الميول والطباع، وأن المعلم، أو الواعظ قد يتوقف في العلوم والفنون أيّها أوْلى أن يطرقه، ولكن نقول: إن الواجب تحديث الناس بما هو الأهم في حقهم، وقد نُقل عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذّب الله ورسوله؟) فمتى كان المخاطَبون من أهل الأديان المخالفة، فالأوْلى خطابهم بتقرير الرسالة، ودلائل النبوة، ومحاسن الدين الإسلامي، أو إزالة شبهاتهم، والإجابة عما لديهم من الشكوك والتوهمات. وإن كان المخاطَبون من أهل الإسلام، إلا أن لديهم بدعاً وعقائد منحرفة؛ فإن خطابهم يكون بتقرير العقيدة السليمة، وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح، والصدر الأول، وهو ما تطرق إليه الأئمة في مؤلفاتهم في السّنّة والتوحيد، والإيمان، وتقرير العقيدة الصحيحة، والرد على المبتدعة.
وإن كان المخاطَب من أهل التفريط والانتماء إلى الدين ظاهراً، دون تطبيق وعمل، أو مع مخالفة وانهماك في كبائر الذنوب أو صغائرها، فإنه يُسلك معه من المناقشة حول حالته ما يمكن اقتناعه به من الوعد والوعيد، وإقامة الحجة والدليل، وإيضاح الحجة والسبل السوية، التي تقطع الشبهات، وتوصل إلى الحق واليقين.
أما الخطيب والواعظ الذي يلتقي بعوام الناس الذين لم تتلوث عقائدهم بأوضار الجاهلين وشكوك المموهين، بل هم على فطرتهم، وعلى يقين من صحة دينهم، إلا أن معهم من الجهل ما أوقعهم في المحرمات ونقص الطاعات، فإن الخطيب والواعظ يسلك معهم طرق التعليم، والتنبيه على ما فيه خطر، أو ما هو محرم، ويحرص على علاج ما انتشر وفشا من المعاصي والفواحش، ويتطرق كل حين إلى ما فيه ضرر على الأديان والأبدان، مما هو موجود ومتمكن في المجتمعات، فلا بد أن يكون عالماً بما يحتاج إليه ذلك المجتمع، وما يتساهل فيه الأفراد والجماعات، وما يفعلونه عن جهل، أو عن تهاون، ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، فمع كل جنس بما يناسبه، وبذلك ينجح الواعظ، ويقدم ما هو أهم من غيره، ويعطي كل نوع ما يحتاج إليه.
15 - لا شك في ضرورة تصحيح عقائد الناس بكل جوانبها. حبذا لو ذكرتم لنا جوانب الاعتقاد مرتبة حسب أهميتها في واقع الناس اليوم.
جواب: معنى ذلك أن الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ، يُحتاج فيها إلى البدء بتصحيح العقيدة؛ فإن الأعمال الصالحة يتوقف قبولها على صحة المعتقد، ومعلوم أن عامة الناس وأكثريتهم لا يحسن خطابهم بأدلة وجود الله ـ تعالى ـ، ولا بالخوض في إثبات الصفات الذاتية، والصفات الفعلية ونحو ذلك، وإنما يسلك الداعي معهم تصحيح مفهوم العبادة، وإخلاص الدين لله ـ تعالى ـ، وذكر أنواع العبادة، وأدلة التوحيد العملي، كالدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، ونحو ذلك. وقد كتب في ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ الأصول الثلاثة، وكتاب التوحيد، وكشف الشبهات، ونحوها مما كتبه في التوحيد، فهو المناسب للعامة الذين يقعون في شرك العبادة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
والعلماء منهم يناقشون فيما لديهم من الشبهات، وما قد يعرض لهم من الاعتقاد في المخلوقات؛ الذي تلقوه عن أسلافهم وعلمائهم الذين انخدعوا بالعامة والخاصة، وأكبوا على الشركيات، وسموا ذلك استشفاعاً، وتبركاً، وتوسلاً بالأولياء ونحوهم. وأما علماء الضلال فإن الداعية يناقشهم في البدع التي ينتحلونها، ويحتجون فيها بسنّة الآباء والأجداد، ويقول الله ـ تعالى ـ في حجتهم: ((قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)) [الشعراء: 74]، ويدخل في البدع ما يخالف الأدلة اليقينية، من العقائد المتعلقة بالأسماء والصفات، والقضاء والقدر، والأمر والنهي، والإسلام والإيمان، والصحابة، وأهل القبلة، من المعتزلة، والمعطلة، والجهمية،
¥