وعلومهم الجمة التي نفع الله بها، والله عند لسان كل قائل وقلبه.
10 - ما أهم ما يميز العالم من الخُلق، مما يمنحه قبول الناس له؟ وما جوابكم على من يخلط بين الهيبة والتعالي؟
جواب: لقد كتب العلماء في أخلاق العالم وأكثروا، سيما إذا تولى عملاً ذا أهمية كالقضاء والتعليم ونحو ذلك، ونحيل القارئ على كتاب: (تذكرة السامع والمتكلم، في آداب العالم والمتعلم)، لابن جماعة ـ رحمه الله ـ ولا شك أن العالم له مكانته بين الناس، وأن عليه أن يتواضع لمن سأل، ويصغي لمن يستفيد منه، ويلين جانبه، ويظهر للطلاب الفرح والاستبشار، ويلقاهم بصدر رحب، ووجه منبسط، ويفرح بتوافدهم وكثرتهم عنده، ويسره أن يستفاد منه، وعليه أن يبدأ بطلب القراءة عليه، ويعرض على التلاميذ أن يجلس لهم في مادة كذا وكذا، أو يسألهم عن رغبتهم، ويجيب مطلبهم، وأن يلتمس ما يميلون إليه من البسط أو الاختصار، ومع ذلك فلا يضع نفسه موضع الذل والاستضعاف والهوان، بل يترفع عن مجالس السفه واللهو واللعب، وإضاعة الوقت، مما يسقط مكانته، ويضع قدره عند تلاميذه، وأن لا يشمخ بأنفه، ويتكبر على بني جنسه، مما يعيبه به العلماء والتلاميذ، ولكن بين ذلك، فيكون ليناً بلا ضعف، قوياً من غير عنف، حليماً ذا أناة، كما ذكروا ذلك في القاضي.
11 - من المشتغلين بالعلم من يرى ضرورة احتجابه عن مخالطة العامة؛ لأجل توفير الجهد والوقت؛ فما مدى توافق ذلك مع الهدي النبوي؟ وهل القاعدة في هذا الأمر مطّردة، أم يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة؟ وما ضوابط المخالطة المناسبة لأهل العلم وطلابه؟
جواب: قد علم أن لحامل العلم مكانته ومنزلته التي فضله الله بها على غيره، ومتى خالط السفهاء وعوام الناس، واندمج معهم، لقي إهانة وذلاً واحتقاراً، وسمع من سخيف القول، ومستهجن الكلام، ما يترفع عنه حملة العلم الذين قال الله عنهم: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ)) [المجادلة: 11] ولقد صور ذلك الشيخ أبو الحسن الجرجاني ـ رحمه الله ـ بقوله:
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
ولم أتبذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظّما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
وأقول أيضاً: إن الاحتجاب العام عن الجميع غير لائق؛ فإن الناس بحاجة إلى مجالسة أهل العلم، والتلقي عنهم، والبحث معهم عن المعضلات وما يشكل عليهم، فلهذا متى ابتعد العالم عن العامة حتى عن الطلاب عيب عليه هذا الابتعاد، ومتى اختلط بالعامة وغوغاء الناس ومن لا يعرف مكانته عيب ذلك عليه، فلا بد أن يحفظ نفسه ووقته للاستفادة والقراءة والمذاكرة، ولا بد أن يتبسط ويفتح صدراً رحباً لمن زاره أو استزاره لتحصل الاستفادة من معلوماته، ويتجدد ما في ذاكرته من معلومات ومفاهيم، وينفق مما أعطاه الله، ولا شك أن الناس يختلفون، وبينهم تباين كبير في الآراء والأعمال؛ فمن كان ميله إلى المذاكرة والكتابة والتأليف آثر ذلك على التعليم والتدريس، وساغ له أن يتفرغ للقراءة والبحث والكتابة ونحو ذلك، ولكن لا ينبغي له أن يحتجب دائماً، بل عليه أن يفسح المجال لبعض الزوار والمستفيدين. وأما من آثر التعليم والإفتاء والتدريس، فإنه يحب الانبساط والاختلاط، ويرغب الاندماج مع الناس، ولكن عليه أن يرفع نفسه عن مواقف الذل والهوان.
13 - حين يُمكّن الله لرجل في العلم فإن الناس يرون فيه الخطيب والواعظ والمدرس، وعلى هذا الأساس قد يعاملون الخطيب أو الواعظ على أنه العالم المفتي ... وليس ذلك بغريب منهم بقدر غرابته حين يصدر من بعض المتعلمين. فهل لفضيلتكم من توجيه؟
¥