ولا يرغب في قسم المعاملات وما بعده، وبعكسه آخرون يفضلون الاجتهاد في فهم المعاملات، لمسيس الحاجة إليها، فعلى هذا لا مانع أن يقسم المدرس الوقت بين الطلاب؛ فمن رغب في النحو واللغة والصرف والبلاغة والبيان جعل لهم وقتاً، واختار مادة أو مختصراً يناسبهم جميعاً، ومن رغب في الحديث حدد لهم درساً في يوم أو أيام، ومن رغب البدء من أول العلوم ابتدأ بالتوحيد والعقيدة التي تناسب المبتدئين، ومن رغب في الفقه من أوله أو من وسطه أعطاهم رغبتهم، ولعله بذلك يفيد المستفيدين، ويحصل كل منهم على ما تميل إليه نفسه. والله الموفق.
8 - تلقى فتاواكم ـ بحمد الله ـ ارتياحاً عاماً، يعزى فيما نحسب ـ بعد توفيق الله تعالى ـ لحسن فهمكم روح الشريعة ومراعاة مقاصدها، واعتبار المصالح والمفاسد .. هل من توجيه لطلبة العلم في هذا الصدد؟
جواب: أعترف على نفسي بالقصور والنقص، وكثرة الخطأ، وأسأل الله العفو والغفران، وستر العيوب والنقائص؛ حيث إني أكتب أجوبة الأسئلة التي ترفع إليّ بدون مراجعة، أو بحث في أقوال العلماء غالباً، نظراً إلى كثرة الأعمال، وعجلة السائل، والارتباط بالمواعيد والدروس، وأعتمد فيما أكتب على معلومات قديمة علقت بالذهن وقت الطلب والتلقي عن المشايخ، أو تجددت وقت التدريس الرسمي الذي كنت أستعد له وأراجع وأحضّر قبل الإلقاء، أو حصلت من الممارسة وتكرر المرور، ومن المطالعات والدروس الجديدة التي أقوم بإلقائها في المساجد. فأما القابلية لها عند العامة أو التلاميذ فلعل ذلك لحسن الظن، ولما يتلقونه من الدروس التي يتقبلونها، واثقين بصحتها ومع ذلك فإني أقول: ما كان فيها من صواب فمن الله ـ تعالى ـ وهو الذي وفّق له وهدى، وما كان من خطأ أو زلل فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله مما وقع مني. وأقول: على طلاب العلم أن لا يعتمدوا على فتوى تخالف الدليل أو الحق والصواب، فإن على الحق نوراً، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، فلا بد من مراجعة الكتب والمؤلفات، وتطبيق الفتاوى الاجتهادية لي ولغيري على كلام العلماء، فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، والله أعلم.
9 - (لحوم العلماء مسمومة)؛ فما واجب أهل العلم وطلبته في حماية أعراضهم؟
جواب: اشتهرت هذه العبارة بين الأمة، وهي تفيد معرفتهم بفضل العلماء، ومكانتهم في المجتمعات، ومنزلتهم بين الأمة، ولعل من أسباب تكرار هذه الكلمة ما وقع فيه البعض من الطلبة أو العامة، أو المنتسبين إلى العلم، من كثرة القدح والعيب والتنقص والاغتياب لبعض علماء الأمة، وأكابر الدعاة والمعلمين، وقد يكون الحامل لهؤلاء الحسد الذي يكثر بين حملة العلم، وقد ذكر ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ في (جامع بيان العلم وفضله) باباً كبيراً في طعن العلماء بعضهم في بعض، قال: والصحيح أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها جرحته، ... والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور المسلمين إماماً في الدين، قول أحد من الطاعنين، أن السلف ـ رضوان الله عليهم ـ قد سبق من بعضهم كلام كثير في حالة الغضب، ومنه ما حمل على الحسد، كما قال ابن عباس: (استمعوا علم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايراً من التيوس في زُرُبِها). وفي قول له: (خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض؛ فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة). ثم نُقِل عن أبي حازم عن أبيه أنه قال في أهل زمانه: فصار الرجل يعيب مَنْ فوقَه ابتغاء أن ينقطع عنه، حتى يرى الناس أنه ليس بحاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهو على من هو دونه، فهلك الناس ... إلخ. وقد ذكر أمثلة من طعن بعض العلماء في بعض نظماً ونثراً، وقد اشتهر طعن الإمام مالك وهشام بن عروة في محمد بن إسحاق، وبالعكس، ولم يكن ذلك موجباً لرد روايتهم، وهكذا طعن ابن حجر في العيني، والعيني في ابن حجر، وكذا ما حصل بين السيوطي والسخاوي؛ وذلك لأن الحامل على ذلك المنافسة والحسد، وحب الظهور، وإذا كان ذلك ليس من أخلاق العلماء المتواضعين، فعلى هذا لا يجوز سماع الطعن في العلماء المشهورين، ولا يلتفت إلى من أخذ ينقّب عن مثالبهم، ويتتبع أخطاءهم، فيجعل من الحبة قبة، ويتغافل عن فضائلهم وآثارهم،
¥