جواب: هذا مشاهد ملحوظ، ولكنه ليس مطرداً في جميع طلبة العلم الذين يرغبون في المواصلة والاستمرار في الطلب، ولا تكل جهودهم، ولا تضعف هممهم، فنوصي طالب العلم، أن تكون همته عالية، وأن لا يعتريه سآمة ولا ملل، وأن يتذكر أحوال السلف وعلماء صدر هذه الأمة، وما بذلوه من الجهد، والتعب والنصب في طلب العلم، وقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه ـ رحمه الله ـ أنه قال: (أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ولما زاد على ألف فرسخ تركت الحساب. وذكر أنه سار ماشياً من الكوفة إلى بغداد مرات عديدة، ومن مكة إلى المدينة مراراً، ومن البحر من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشياً، ومن مصر إلى الرملة، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى إنطاكية، ومن إنطاكية إلى طرسوس، ثم من طرسوس إلى حمص، ومن حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، وقبل ذلك من واسط إلى النيل ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشياً في سفره الأول، وسنه عشرون عاماً، وقد نقل عن غيره أكثر من ذلك. وبالجملة نوصي طالب العلم بالمواصلة، ولو طالت المدة، سواء في الدراسة النظامية، أو في الحلقات العلمية، ونوصي المشايخ أن يتنزلوا على رغبات جمهور الطلبة، في تعليمهم ما يساعدهم على حمل العلم، من المختصرات المفيدة، حتى لا يملوا، فمن رغب في المطولات، واستمر على المواصلة فهو أوْلى، حتى يتزود من المعلومات المفيدة. والله أعلم.
6 - ما يزال الشباب يتوافدون ـ بحمد الله ـ على دروس العلم، لكن الملاحظ سرعة تبدل بعض الطلبة بحيث لا يستمر بعضهم إلا أشهراً، وقد يكون ممن ابتدأ قراءة كتاب على بعض أهل العلم ... ويخشى بعض المحبين من خطورة الأمر .. فما رأي فضيلتكم في العلاج الأمثل لحث الطلبة على مواصلة العلم وتلقيه عن العلماء المشهود لهم؟
جواب: نوصي طالب العلم أن لا يعتريه ملل، ولا يثنيه كسل؛ فإن العلم كثير، والعمر قصير، وذلك أن الطالب للعلم همته رفيعة، فهو لا يشبع من التعلم، ولا ينثني عن المواصلة، ولقد كان الكثير من العلماء الأكابر يقرؤون ويستفيدون، حتى من تلامذتهم، ولا يحتقر أحدهم من دونه أن يتلقى منه فائدة، وكان التلاميذ يلازمون مشايخهم، ويتكرر أحدهم على مجالس العلم، إما للتذكر أو للتزود، حتى ولو كان عالماً بما يقول شيخه، وذكروا أن من آداب التلاميذ أن يظهروا لمشايخهم الشكر، والدعاء لهم، حتى لو كانت المسألة معلومة عندهم، فإذا سمع الفائدة أظهر لشيخه أنها جديدة، وأعلن بشكره عليها، ولو كانت معلومة له من قبل، واستشهد بعض المشايخ بقول الشاعر:
إذا أفادك إنسان بفائدة من العلوم فلازمْ شكره أبدا
وقل: فلان جزاه الله صالحة أفادنيها، وألقِ الكِبَْر والحسدا
وعلى المدرس أن يحث الطلبة على المواصلة والاجتهاد، والحرص على إكمال الدراسة، سواء كانت نظامية أو علمية، وأن يتصور فائدة المواصلة والمتابعة، وما يترتب على الانقطاع من ضياع المعلومات، وذهاب ما بذله من الجهد، وليعلم أن العلم لا يحصل لمتكبر، أو متوان، أو مستحْيٍ، وأن العلم بالتعلم، وبالحفظ والإتقان والفهم والإدراك.
7 - لعل من أسباب ضعف الاستمرار: سوء اختيار الطالب للدرس الذي يحضره، أو الكتاب الذي يدرسه؛ لكونه لا يناسب مستواه العلمي، ألا ترون أن هناك حاجة إلى جعل الطلبة على مستويات ـ اثنين أو ثلاثة مثلاً ـ ينظر في إلزام الطالب الراغب في الالتحاق بما يناسب مستواه؟
جواب: قد عرف أن طلبة العلم يتفاوتون في المستويات، وهكذا في الرغبات، ولذلك يكثر تواجدهم في بعض الفنون دون بعض، وعند بعض المشايخ دون البعض، وقد يكون السبب قلة الرغبة من بعضهم في إحدى المواد؛ حيث إن منهم من لا يرى الاشتغال بالفقه الذي يغلب عليه أنه اجتهاد من الفقهاء، والكثير منه لا دليل عليه، وبعكس هؤلاء آخرون رأوا أهميته؛ لأنه يتعلق بواقع الحياة، ويحتاج إليه الفرد والمجتمع، ولا بد من الفتوى به عند وقوع حادثة، فهو من العلوم الضرورية في كل زمان ومكان، ولهذا كثرت فيه المؤلفات من العلماء الذين رزقهم الله العلم والفهم بالوقائع، وتطبيق النصوص على الحوادث، ثم إن من الطلاب من يفضل نوعاً من العلوم الفقهية، كقسم العبادات، ويحب تكرارها في عدة كتب،
¥