بعد مرحلة، فمتى كان قصده الاستفادة، وتحصيل المعلومات النافعة، فإنه سيحصل من ذلك على قسط كبير، يبقى معه أثر طوال حياته، ولكن لا بد مع ذلك وبعده من مواصلة التعلم، وبذل الجهد في التحصيل، فإن العلم كثير، وطالب العلم لا يكتفي بما حصل عليه، كما في الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا). وكان العلماء يوصون تلاميذهم بالاستمرار في الطلب، ويقول أحدهم: (اطلب العلم من المهد إلى اللحد)، ويقولون: (مع المحبرة إلى المقبرة) فعلى المسلم الجد في الطلب بما يقدر عليه، وما يراه نافعاً في حقه. والله أعلم.
4 - لا يخفاكم واقع مناهج التعليم في جل بلاد العالم الإسلامي .. مما جعل بعضهم يرغب عن التعليم النظامي جملة: ما الموقف الصحيح تجاه هذا المنهج: ألا ترى ـ فضيلتكم ـ أن لذلك سلبيات لا سيما مع قلة العلماء العدول فضلاً عن حاجة الأمة لتعليم ناشئتها مختلف العلوم والفنون؟
جواب: لا شك في صلاح النية، وحسن الأهداف عند تقرير المناهج التعليمية، في أغلب البلاد الإسلامية، ثم مع مرور الزمان، نشأ من يريد في الظاهر قصداً حسناً، والله أعلم بما يضمره، فاقترح تغيير المناهج القديمة، أو الاقتضاب من بعضها، وإضافة علوم أو مواد ثانوية، وفرض دراستها، مع قلة الحاجة إليها، أو عدم أهميتها، أو اختصاصها ببعض الأفراد، فكان ذلك سبباً في عزوف كثير عن التعليم النظامي، إما لصعوبته، أو لنفرة بعض النفوس عنه، أو لقة الفائدة التي تعود إلى ذلك الطالب، وميل نفسه إلى علوم وأعمال أخرى، وكان الأوْلى أن يجعل لهؤلاء مدارس خصوصية، يقرر فيها دراسة العلوم الدنيوية الضرورية، مع المواد الشرعية، ويعفى من ينتظم فيها عن علم الجبر والهندسة، واللغات، والفيزياء وشبهها، ثم إن هذه العلوم لا شك في أهميتها، ومسيس الحاجة إليها، ولكن ذلك في حق من يرغبها، ويجد من نفسه ميلاً إلى التعلم والعمل بها، ثم إن طالب العلم في المدارس والمعاهد العلمية والجامعات الإسلامية وغيرها، يجب عليه حسن النية في دراسته لتلك المواد، فيقصد أولاً: حمل العلم النافع، ليفوق الجاهل به، فقد قال ـ تعالى ـ: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [الزمر: 9]، أي لا سواء بين العالم بالفن والجاهل به، ويقصد ثانياً: نفع نفسه ونفع الأمة، سواء في أمر الدين أو أمر الدنيا؛ حيث تمس الحاجة إلى تعلم هذه الفنون، ويستفيد حاملها، ويعلّم غيره، ويغني نفسه، ويكتفي بصناعته أو حرفته، ويقصد ثالثاً: فيما يتعلق بالعلوم الشرعية فضل حاملها، كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهّل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر). ويقصد رابعاً: العمل على بصيرة؛ فإن من شرط قبول العمل موافقته لما ورد به الشرع، فمن عمل على جهل فعمله مردود، وخصوصاً إذا تمكن من التعلم فأعرض عنه، ولا شك في خطأ الذين عزفوا عن التعليم النظامي، لأي سبب عرض لهم، ولذلك نراهم أصبحوا عالة على أهليهم، قد عطلوا أنفسهم، وصاروا كلاً وثقلاً على أولياء أمورهم، وقد روي عن بعض السلف ـ رحمهم الله ـ أنه قال: الناس ثلاثة أقسام: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وسائر الناس همج رعاع لا خير فيهم، يغلون الأسعار، ويضيقون الديار، ثم إنهم بعد أن أفاقوا من سكرتهم، وانتبهوا من رقدتهم، أسفوا أشد الأسف على ما ضاع من أوقاتهم، ولكن ذلك بعد أن تفارط الأمر، وفات الأوان. والله المستعان.
5 - يشكو كثير من طلاب العلم المواظبين على حِلَقِ العلم من طول مدة إنهاء كتاب من الكتب، التي قد تمتد لسنوات .. فما تعليقكم؟
¥